من الاجناس الأدبية الحديثة

قراءة في نص هايكو “قمار” للشاعر ” محمود الرجبي “

  • بقلم فاطمة الزهراء كامل :

قدمت الكاتبة و الناقدة فاطمة الجزائرية الزهراء كامل قراءة نقدية في احد النصوص الشعرية والابداعية جاءت في فترة حساسة و مهمة بالنسبة لمختلف النشاطات والاعمال الأدبية ، وفي وقت حساس اتسم بتوجهين ، الأول هو انشار الوباء العالمي ، والثاني توفر فرصة الابداع للكثيرين في هاته الفترة ، و قد فصلت ودققت في احد الاجناس الأدبية الحديثة على الادب العربي والمستلهمة من الادب الياباني وهو ” الهايكو ” ، وهو نص الشاعر محمود الرجبي في نصه ” قمار”

( قمار ) :

 نلتقي كي نفترق

لعبة على طاولة الحياة

والموت يوزع الورق.

تحليل العنوان :

يأتي عنوان النص “قمار” نكرة غير معرف للدلالة على مسمى عام غير محدد ، يكشف عن التخاطر وكثرة المراهنة على ماديات الحياة ، حيث يوشي بأشخاص تسعى الى ربح الاموال بطرق غير مُتعبة ، فهو بذلك يعكس الرؤية البراغماتية والنفعية لدى أصحابه على قدر كبير من الطمع والإدمان ، كما أنه يؤول الى استحالة وجود عالم افلاطوني مثالي يحُول بيننا .. إذ تقوم لعبة القمار على عنصرين متعارضين وهما الرابح والخاسر ، وبالتالي يُقدم العنوان نقد لاذع لأخلاقيات المجتمع بما يعكسه من تردي في سلوك الأشخاص من خلال لجوئهم إلى الحرام وما تخلفه هذه اللعبة من عداوة بين المقامرين وأمراض نفسية تلحق بهم جراء فقدانهم لأموال طائلة .

تحليل النص :

يستهل الشاعر قصيدته ب”نلتقي ” التي تؤول الى خصوصية المشاركة في نفس التيمة وفي نفس الحدث ألا وهو اللقاء بما يحمله من أُنس ، كما أنه يحيل الى شعرية الفضاء وجمالية المكان فيكون بذلك لقاء حافل بالصدف ، الفضفضة والتواصل وكذلك ارتفاع أسقف الود  ، وحدث آخر مضاد “نفترق” وما يعكسه هذا الأخير من مرارة الفقد ، فهاذين القطبين المتعارضين يكشفان عن بؤرة الصراع ، التوتر والتناقض ، فكلاهما لهما حدث على ذاكرتنا التي جرفتها مياه التجارب إلى غير واد ، هنا فقط بقينا مُعلقين في منتصف الأشياء ، وما إن نثمل لقاءً حتى يصك الفراق أسنانه الجوعى فيدعنا نتخبط صرعى في يد الزمان نتوسل إليه ونحن مرغمون على فعل ذلك ، لكن دون جدوى نقف متعثرين على حواشي الحياة .

” تنشأ الفجوة من إدخال مكونين متضادين في علاقة جديدة ، ينشأ نمط متميز منها من عملية متضادة تقريباً هي إحداث شرخ أو انفصام في الواحد المتجانس “

فالفجوة ” مسافة التوتر” عند كمال أبو ديب تنشأ من اقحام مكونات وجودية غير متجانسة في مكونات اخرى متجانسة ، متضادة في اللفظ  لكن في السياق التي تنشأ فيه ومن خلال التأويل تكون متجانسة .

اللقاء هنا يفرز بالضرورة حتمية الفراق ، حيث يرنو هذا الأخير مهدداً بكافة الطرق التي سلكناها في سبيل البقاء ، كلاعب خفة يمارس تعاويذ سحره ونحن غارقون في سلطة الوهم ، حينها لن نقدم له صكوك غفران بعد انتهاء المسرحية ونحن أمام غربة فاضحة تحركها الرياح من كل صوب فترهقها وتركُنها أمام بيتنا المملوء بالأحرف العطشى والكلمات المصلوبة التي عاشت أسيرة التجارب ، وما إن نفتح الباب عند الصباح حتى تتلبسنا  .

مفهوما اجرائيا جديدا

طرح “ياوس” مفهوما اجرائيا جديدا أطلق عليه (أفق انتظار القارىء) ، يمثل الفضاء الذي تتم من خلاله عملية بناء المعنى ورسم الخطوات المركزية للتحليل ودور القارىء في انتاج المعنى عن طريق التأويل الأدبي الذي هو محور اللذة ورواقها لدى جمالية التلقي إذا ما كان الوسيط اللساني هو محور اللذة ورواقها عند البنائيين .

فالمتلقي أثناء عملية القراءة يمر بمرحلة من اللذة الشبقية تجاه النص كما عبًر عنها الناقد رولان بارت ، وبالتالي فالكاتب يترك في نصه مجموعة من الثغرات والفجوات التي يُنتظر ملءها من طرف القارىء ، وهذا ما يقتضيه نص الهايكو ، إذ باعتماده على عنصر التكثيف الذي يقوم  فيه الشاعر بحشد العديد من الدلالات والصور والمعاني الايحائية الرمزية والتشفيرية في لفظ واحد ، ومن هذا الاقحام الواعي لهذه المعاني يكتسب اللفظ الواحد تعددية الدلالة ومن ثمة تعددية التأويل .

 في السطر الثاني يقول ” لعبة على طاولة الحياة ” اللعبة تحيل على البراءة وتكشف عن الطفولة ، كما أنها توشي بفكرة اللهو والمتعة ، أما الطاولة توحي بالتجمع ، حيث تتخذ طابع من الجدية كاجتماع العمل والدراسة ، وطابع من الهزل والغير جدية في أحايين أخرى حيث ترتطم المواقف هنا بملذات الدنيا ومفاتنها ونلمس ذلك في المقاهي التي تكثر فيها القهقهات والسخريات الميتة ، وما تفرضه لعبة القمار من ضجيج ، حيث لا صوت يعلو على صوت المادة بحسب رهاناتهم إما بالربح أو الخسارة ، وإلى أي حد استطعنا كسب الرهان ، لعبة تختلف عن لعب الصغار ولا تمت لهم بصلة ، مناقضة للبراءة و للطفولة ، فما حملته من لقاء وتجمُع أفسدته في الأخير بالعداوة والتخاصم .

“بدت مفاهيم ايزر ذات طابع إجرائي مستفيد من المقاربة الموضوعية للنص لأن بناء المعنى ليس إسقاطاً للمفاهيم الذاتية التي يمتلكها المتلقي على بنية النص كما هو الحال في التأويل الانطباعي الكلاسيكي ، وبدت عناية التلقي تتجه وجهة وظائفية تكشف عن شبكة العلاقات الدلالية من خلال التفاعل بين بُنى النص وبنى الادراك مع إفقار المرجعيات الخارجية غير الخاضعة للبعد الوظيفي “.

التفاعل بين بنية النص وبنية الفهم

فنظرية التلقي تنشأ عن طريق التفاعل بين بنية النص وبنية الفهم التي تشكلها التأويلات وجملة الامكانات التي افترضها المتلقي ، وهي بذلك تستبعد كل الأحكام الذاتية والانطباعية التي تفتقر إلى الموضوعية مع إقصاء كل الظروف الخارجية التي لا تخدم معنى النص .

ينتهي النص بقُفلة مُدهشة ” والموت يوزع الورق !” حيث يشير العطف هنا الى ميزة التتابع والتعاقب وكذلك كنتيجة حتمية ونهائية لهذه اللعبة ، فيصير الموت عنصراً مهماً من عناصر اللعبة ، يوزع الورق على الذين راهنوا على الماديات وعلى من تشبثوا عنوةً بملذات الحياة ، وكأنه يختارهم بدقة فيتم الانتقال من وجودية الكون المتاخمة بالقلق  إلى عبثية الموت والعدم ، فيُنهي الموت سفاهة الحياة الضاجة بحماقات البشر وتقاعسهم عن رؤية الحقيقة  ويُقدم تقارير المُثل والفضيلة كوثيقة يبرهن بها على الفرضيات النسبية التي قدمتها الحياة إبان فترة تعالي الماديات والحقائق النفعية .

” تتم عملية بناء المعنى وإنتاجه داخل مفهوم أفق الانتظار حيث يتفاعل تاريخ الادب والخبرة الجمالية بفعل الفهم عند المتلقي . ونتيجة لتراكم التأويلات (أبنية المعاني) عبر التاريخ نحصل على السلسلة التاريخية للتلقي التي تقيس تطورات النوع الادبي وترسم خط التواصل التاريخي لقرائه . وان لحظات (الخيبة) التي تتمثل في مفارقة افق النص للمعايير السابقة التي يحملها افق الانتظار لدى المتلقي هي لحظات تأسيس الأفق الجديد “وان لتطور في الفن الادبي انما يتم باستمرار باستبعاد ذلك الافق وتأسيس الأفق الجديد”.

يُفترض على القارىء المعاصر أن يكون ذو خبرة استطلاعية مُسبقة وبما يعرفه الأدب من تلاقح في النصوص عبر تقنية  التناص ، فيبني القارىء مجموعة من التصورات المسبقة ويطرح أحكام قبلية في حضرة النص فيُصاب في الأخير بخرق لبعض افتراضاته التي بناها إزاء التشكيلة النهائية للنص ، حيث يغدو المعنى فضفاضاً ويتخذ نوعاً من الزئبقية في الحضور ويشعر بتناوب الاستفزاز والصدمة والدهشة ، وهذا ما يستدعيه نص الهايكو من مفارقة وخرق لأفق المتوقع .

 فالشيء الغائب في ذهن المتلهف لمطامع الحياة هو فكرة الموت حيث تُغريه الدنيا بملذاتها وتنشأ عنده حالة من الضبابية تفصله عن الرؤية الصائبة لمناحي الحياة ، وعبر حتمية الموت تتضح فكرة الربح والخسارة التي جسدتها في أول الأمر لعبة القمار ، وهنا قمة براعة الشاعر في الممازجة بين  مكونات عتبة العنوان وعناصر قُفلة النص ، حيث يصير الحدث هنا دائرياً بصيغة التناوب ويتم الانتقال من حدث مادي إلى آخر معنوي ، من لعبة وضحك ولهو إلى موت وندم وحسرة .

عن ahmed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: