حول “عاشق من فلسطين، خمسون تجربة ثقافية وإبداعية فلسطينية للدكتور حسن عبد الله”.

محاضرة الباحث جهاد احمد صالح في جامعة بيت لحم.

عقدت دائرة اللغة العربية والاعلام في جامعة بيت لحم، حضرها عدد من طلبة الجامعة واساتذتها، و نخبة من قدامى خريجيها، ونخبة من مثقفي بيت لحم. وقد رحب الدكتور سعيد عياد رئيس دائرة اللغة العربية والاعلام بالحضور، ثم قدم الباحث جهاد صالح دراسته، والدكتور معين جبر عميد كلية التربية تجربته في الموسوعة، واعقب الدكتور حسن عبد الله عن فكرته في الموسوعة.

وفيما يلي الدراسة الاولية للتجربة التي قدمها الباحث جهاد صالح:

تجربة أعدّها وأذاعها الكاتب والإعلامي الدكتور حسن عبد الله عبر فضائية “معاً” في فن السيرة الذاتية “المحكية” في أدبنا الفلسطيني الحديث، ثم جاءت في كتاب بجزأيه موثّقاً، بالنص والتحليل، أصدره مركز “أبو جهاد” لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس.

وللوهلة الأولى، نجد أنفسنا أمام خمسين تجربة ثقافية وإبداعية فلسطينية في فترة زمنية لا تتعدى الساعة “التلفزيونية” لكل تجربة من التجارب، ولكل علم من الأعلام، تنوعت تجاربهم في ظروف غير مستقرة، وبيئة غير متجانسة، بالنظر لظروف الشعب الفلسطيني المشتت بين مقيم لا يملك القدرة على صياغة حياته وسيرته بحرية فيما “يشبه” الوطن.

وبين مشتت في الغربة تنحاز سيرته إلى ظروف متباينة من الولاء والانتماء. فتنوعت تجاربهم الثقافية في معظم فروع الأدب من شعر وقصة ورواية ونقد وبحث وتحقيق وصحافة وغيرها. فنحن أمام تجربة واحد وعشرين باحثاً، وستة عشر شاعراً، و تسعة روائيين، وثمانية قاصين، وثمانية أكاديميين، وست إعلاميين، وأربعة نقاد أدبيين، واثنين من التربويين، وواحد من الرسامين التشكليين.

إن نشأة الحديث عن السيرة الذاتية قديمة جداً، في التجربة الكتابية، إلى درجة أن بعض الباحثين يعدّها من أقدم الفنون الأدبية نشأة، بينما البعض الآخر يرى أنها من أحدث الأجناس الأدبية، فكيف إذا جاءت السيرة الذاتية محكية، وبفترة زمنية محددة. يقول الدكتور حسن عبد الله في مقدمته للكتاب: “وضعت في متناول القارئ عملاً توثيقياً وتحليلياً يعرض جوانب قيّمة في مشهدنا الثقافي والإبداعي”.

فنتوقف عند الجانب الذاتي الذي يعرضه الضيف، للتأكيد على أن هذا الجانب “ليس وثيقة تاريخية” يمكن الاعتماد عليها، فهي مزيج اشترك في تكوينه عاملان متعارضان هما: الحقيقة والخيال، ولراوي سيرة حياته أن يطلق العنان كما يحلو له، وكلّما أمعن في خياله كان ذلك أفضل من ناحية التشويق”.وهنا تبرز إحدى إشكاليات المادة المقدّمة من قبل الضيف. فالحديث عن الذات تتطلب من صاحبها الشجاعة التي تجعله قادراً على الحديث عن الأمور الحساسة، مثل المسائل المتعلقة بحياته العاطفية، أو السياسية، أو الجوانب المؤثرة في حياته الأدبية والإبداعية.

“فالصدق الخالص – كما يقول سادن الثقافة العربية الدكتور إحسان عباس – أمر يلحق بالمستحيل- فالحقيقة الذاتية صدق نسبي مهما يخلص صاحبها في نقلها على حالها”.وهنا، يهمنا أن نؤكد: أنّ الابتعاد عن الصدق لا ينتج دائماً عن رغبة المبدع تزوير الحقائق، وذلك لأنه يعتمد في سرده للأحداث على الذاكرة، يريد الحديث عنها، في ساعة تلفزيونية، والذاكرة في هذه الحالة معرضة للنسيان والخلط، فهي لا تنسى فقط، ولكنها قد تخدع أيضاً، فتخلط الأسماء والأزمان والأماكن.

ويلاحظ هنا، بشكل عام، أن الحديث عن الذات، يقوى ويشتد في فترات الانتقال وأوقات الاضطراب والتقلقل، لأن بعض النفوس الحساسة، والأدباء من بينهم، تشعر في ذلك إلى الملاءمة بين تجربتها وبين الظروف المحيطة لها. وهنا بالذات، تبرز مقدرة معدّ البرنامج الدكتور حسن عبد الله، في تحوّله من كاتب مبدع إلى إعلامي متميّز يعرف ما يريد، فيتدخل بسلاسة ورفق إلى ذاكرة الضيف فيعيده من حالة النسيان إلى واقع الحكاية.

وفي استعراضنا لما بين أيدينا من تجارب إبداعية، نرى حضور “المكان” وبروزه وكأنه بطل الحوارات التي أجراها الدكتور حسن مع ضيوفه، وهو ما أشار إليه بقوله: لعل القارئ يلحظ أن المكان استحوذ على حيّز واسع من الحوارات. ولم يأت التركيز على المكان عفوياً، أو أن تكرار ذلك مردها صدفة عابرة، بقدر ما جاء وفق منهجية، انطلقت من أن المكان هو عامل شديد الأهمية في السياقات الحياتية، في إطار التفاعل مع الوجود الاجتماعي بعناصره ومكوناته، لذلك حاولت في الحوارات، أن أستنطق المكان، من خلال الضيوف، بمعنى عندما يستدعي الضيف ذكرياته، وكأن المكان عكف على تقليب صفحاته”.ويقول في مكان آخر “خمسون تجربة ثقافية إبداعية، تعددت فيها الأمكنة الصغيرة، لكنها تداخلت وامتدت في المكان الكلي “فلسطين” بتنوع جغرافيتها ومناخها لذلك فإن المكان في الحوارات المضمّنة في هذا الكتاب هو “البطل”.

ويبدو لنا، أن اختيار عنوان البرنامج والكتاب “عاشق من فلسطين، قد استُمدّ من ديوان شاعر فلسطين الكبير محمود درويش الذي أصدره في العام 1966م، يتغنى بعشقه لأرض فلسطين وقضيتها، يتردد في مقدمة البرنامج وكأنه العنوان الكلي “لفلسطين” المكان الذي يشد الضيوف على اختلاف إبداعاتهم وتميّزهم الثقافي، في فترة زمنية محددة، يبرز في تأثيره على تجربة المبدع، القرية، والمدينة، والمخيم، داخل الوطن وفي الشتات، تحمل في طيّاتها الهمّ الفلسطيني الكلي بشكل أو بآخر.

على أن السيرة الذاتية “المحكية” في صياغة التجربة الكلية في إنتاج المبدع تقودنا إلى السؤال: هل هذه المؤشرات هي التي تشكل تجربة الإبداع الثقافي وحوافزه في المشهد الفلسطيني؟ وهنا، يتدخل الإعلامي المميز الدكتور حسن عبد الله لإثارة الحوافز الأساسية التي دفعت الضيف للتعبير عن ذاته، وشكلت أولى خطواته الإبداعية في المشهد الثقافي، ولدى استعراضنا لهذه التجارب، نراه، وبإصرار، دائم السؤال عن الدوافع التي جعلت الضيف يختار الجانب الثقافي للتعبير عن ذاته، وشكّلت خطوته الأولى في إبداعه.

فنرى أن معلم اللغة العربية وتحديداً معلم الإنشاء يتلوه معلّم التاريخ والمشرف الاجتماعي في المدارس الابتدائية هم المحرّضون الأساسيون لهذا الاختيار، وإذا ما توفرت الدوافع والعوامل في البيئة الاجتماعية التي تحيط بالمبدع، فيلتقط ما تشاهده عيناه من بساطة وأريحية في وسطه الأول، أزقة المخيم والقرية وألاعيبه ومشاكساته فيها، وحوارات الكبار في الدواوين والحارات، وما يحيط بها من بساتين وأزاهير، والبئر والينابيع التي لم تكن مصدراً للمياة فقط؛ بل هي حدائق ذكريات وعواطف فتشهد حوارات النساء وهمومهنّ وافتخارهنّ وذكريات الأعراس والولادة، ونادراً ما تجد مبدعاً، بمختلف فنون الأدب والفنون لم يتوقف عند هذه المحطة؛ بل ربما نستطيع القول إنه بدأ منا، شكلّت له حوارات لا تتوقف بين ذاته وبين خياراته وتضع اللّبِنة الأولى في رحلته الثقافية، وتصله حيثما وصل إليه من إبداع.

وقد يتميّز المبدع الفلسطيني في ثقافته العامة عن غيره، بارتباطه الوثيق بقضية شعبه وواقع الاحتلال الذي يكبّل حياته، ويُخضعه في ظروف غير إنسانية تحرمه من مقومات الحياة التي يرغب في تحقيقها بحرية، حتى منذ لبنته الأولى في الثقافة، فيذكر أحبته الذين استشهدوا، وآخرين خلف القضبان ينشدون الحرية، وينشد معهم، وأمهات ولدن على الحواجز، وقوافل الطلاب يتسابقون في رمي الحجارة على مواقع المحتل.

تجارب كثيرة ساقها لنا الدكتور حسن في لقاءاته مع المبدعين، كيف تحولوا إلى مقاومين، عانوا من السجن وأبدعوا فيه، وتغنّوا بقضية شعبهم من على المنابر وقاعات الندوات. وما يلفت النظر في هذه التجارب الإبداعية أنها لا تختلف من فلسطيني ما زال مقيماً في وطنه، وآخر وُلد في الوطن وصاغ لبنته الأولى في الثقافة فيه، وغادره إلى المنفى، وآخر قد ولد في المنفى لكنه عانى من مشكلة الاغتراب والانتماء والهُوية، التي لا تقلّ عن معاناة المقيم.

فالسيرة الذاتية (المحكية) التي أثارها عاشق من فلسطين وإعداده كتابياً تحت عنوان “خمسون تجربة ثقافية وإبداعية فلسطينية” يكون الدكتور حسن عبد الله، قد وضع اللبنة الأولى في فصول مشهدنا الثقافي الكلي، حيث يؤكد لنا في أكثر من مكان، بأن هذه التجارب ليست سوى بعض التجارب الإبداعية الثقافية، لا بد وأن تتلوها، بنفس الوتيرة والإيقاع، تجارب أخرى لمبدعين في الوطن والشتات؛ حتى نشيد مشهدنا الثقافي الفلسطيني العام، وهي مسؤولية تاريخية يتشارك فيها كافة المبدعين، والمؤسسات الثقافية المتنوعة، وإجراء عملية نقد ومحاكاة وتأنٍ حتى نصل إلى حالة فنية من الاستقرار والرضا، والدافع الخلاّق لاستمرار هذه التجارب بكل أبعادها.

لقد قدّم الدكتور حسن تجربة فريدة من نوعها، تبدو للقارئ أو السامع، أنه قرأ أو استمع إلى شهادة حيّة، أراد أن يسلكها الضيف لتبيان تجربته الإبداعية، وهذا بحد ذاته جزء لا يتجزأ من الدوافع الذاتية والخارجية معاً، التي شهدت هذه التجربة الحيّة في بعض تفاصيلها.

 

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: