مؤسسة الضمير لرعاية الاسير وحقوق الأنسان

تجمع أدلة حول التعذيب وسوء المعاملة الذي مارسه محققو الاحتلال ضد المعتقلين الفلسطينيين في مراكز التحقيق

عملت سلطات الاحتلال منذ احتلال فلسطين، على تكريس سياسة التعذيب الممنهج، وذلك من خلال سن قوانين تشرّع ممارساتها المختلفة للتعذيب، وفرضت حصانة على ممارسة هذه الجريمة، حيث لم يتم محاسبة أي شخص أو جهاز على خلفية ممارسة التعذيب بحق الفلسطينيين. تمارس سلطات الاحتلال وبشكل خاص جهاز المخابرات الإسرائيلي “الشاباك” التعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين بشكلٍ ممنهج وعلى نطاق واسع.

وقد وثقت مؤسسة الضمير في الفترة الأخيرة ممارسة المحققين التعذيب بشقيه الجسدي والنفسي بحق العديد من المعتقلين الفلسطينيين في مراكز التحقيق دون توافر أي شكل من أشكال الحماية. وتمتلك الضمير أدلة قوية وقاطعة على ممارسة التعذيب وسوء المعاملة منذ نهاية شهر آب 2019، ولكن لم تتمكن من نشر أي تفاصيل قبل هذا التاريخ بسبب أمر منع النشر الذي أصدرته محكمة الصلح الإسرائيلية في القدس.

بتاريخ 10/9/2019، استصدر جهاز المخابرات الإسرائيلي “الشاباك” وجهاز الشرطة الاسرائيلية أمراً بمنع النشر في حالات المعتقلين القابعين في مركز تحقيق المسكوبية، وبالتالي منع الجمهور، ومؤسسة الضمير التي تمثل المعتقلين من نشر أي معلومات تتعلق بهم وبظروف التحقيق معهم.، وتم تجديد أمر منع النشر لعدة مرات حتى تجاوزت فترة الثلاثة أشهر.

وبالرغم من أمر المنع إلا أن جهاز المخابرات الإسرائيلي ومن ورائه وسائل الإعلام الإسرائيلية نشرت معلومات للجمهور حول بعض هذه الحالات، في محاولة منها للتغطية على الجريمة التي ارتكبتها بحق أحد هؤلاء المعتقلين والذي تم نقله للمشفى بحالة الخطر الشديد نتيجة التعذيب.

ومن ثم عادت ونشرت بيانا آخر بمعلومات إضافية قبل انتهاء مدة أمر منع النشر، وهو ما يُظهر خرق مخابرات الاحتلال لأمر المنع الذي صدر بناءً على طلبهم؛ وذلك في محاولة للتأثير على الرأي العام، وبالمقابل مُنع الممثلون القانونيون للمعتقلين من نشر أي معلومة، وقيّد الأمر حقهم في حرية النشر. إن إصدار أمر منع النشر يأتي بالأساس بهدف التغطية على جرائم التعذيب التي ارتكبت بحق المعتقلين الفلسطينيين في مراكز التحقيق، ولمنع الجمهور والممثلين القانونيين من فضح التعذيب وسوء المعاملة التي عانى منها المعتقلون في الأشهر الأخيرة.

 

التعذيب في مراكز التحقيق

بحسب الأوامر العسكرية الإسرائيلية، يمكن أن يخضع المعتقل للتحقيق لمدة 75 يوما دون توجيه أي تهم بحقه، ويمكن أن يُمنع من مقابلة محاميه لما مجموعه 60 يوما. تعرض المعتقلون الذين تم نقلهم إلى مركز تحقيق المسكوبية في الفترة الأخيرة إلى تحقيق قاسٍ ولفترات طويلة مع منعهم من مقابلة محاميهم واستشارته، حيث تراوحت فترات المنع من لقاء المحامي بين 30 إلى 45 يوما في بعض الحالات. ومارس محققو الاحتلال تعذيبا جسديا ونفسيا بحق المعتقلين، وتعددت الأساليب التي استخدموها معهم، وشملت على سبيل المثال لا الحصر: العزل والتحقيق لفترات طويلة والضرب المبرح والشبح والحرمان من النوم، والحرمان من احتياجات النظافة الصحية والتحرش الجنسي والتهديد، بالإضافة للتعذيب النفسي الشديد بما في ذلك استخدام أهل المعتقل و/أو معتقلين آخرين للضغط على المعتقل. وشملت التهديدات المستخدمة تهديدات بالإيذاء والاغتصاب والتعذيب وإلغاء الإقامة لأهل القدس. أدى التعذيب الشديد وسوء المعاملة الذي تعرض له المعتقلون إلى إصابات خطيرة شملت: كسور في العظام، حالات إغماء وفقدان للوعي، قيء، نزيف من أجزاء مختلفة من الجسم مثل  (الأنف والفم واليدين والساقين ومنطقة الاعضاء التناسلية) بالإضافة إلى ذلك، عانى المعتقلون من التقييم الخاطئ الذي أجراه الأطباء في مراكز التحقيق، والذين ذكروا في جميع الحالات تقريبًا أن المعتقلين مؤهلين جسدياً لاستكمال لتحقيق متجاهلين الأدلة الواضحة على التعذيب وسوء حالتهم الصحية.

 

من أساليب التعذيب التي استُخدمت:

الشبح: استخدم محققو الشاباك أساليب شبح مختلفة بحق المعتقلين الفلسطينيين، منها: وضعية “الموزة” ووضعية الضفدع، ووضعية الكرسي الوهمي، والقرفصاء، وغيرها. وفي جميع هذه الوضعيات، يفقد المعتقل توازنه ويسقط على الأرض، وعندها يقوم المحققون بضربهم بشكل وحشي وإجبارهم على العودة إلى وضعية الشبح. واستخدمت وضعيات أخرى مثل: وضعية الوقوف على أصابع القدمين بينما تكون ايدي المعتقل مقيدة فوق رأسه على الحائط، وضعية الشبح على الطاولة؛ حيث يجبر المعتقل على الجلوس على كرسي وهو مكبل اليدين إلى الخلف بقيود ذات حلقات قريبة على بعضها البعض، فيتم تثيبت اليدين من الخلف على طاولة وشد اليدين للخلف والأعلى. ووضعية شبح أخرى تجبر المعتقل على الاستلقاء أرضا على ظهره، مكبل اليدين والقدمين، وتكون الأيدي مقيدة خلف الظهر من جهة الأرض بسلسة حديدية طولها نصف متر، ويتم تقييد يديه بأصفاد حديدية خلف ظهره، وعند استخدام هذه الوضعية يجلس المحققون على جسد المعتقل وهو مُمدّد على الأرض للضغط على جسده بالتزامن مع استمرار ضربه بوحشية. الضرب المبرح: اعتمد محققو الشاباك أسلوب الضرب المبرح بحق المعتقلين، حيث استخدموا أيديهم وأرجلهم وركبهم وحتى رؤوس أصابعهم لضرب وصفع ولكم المعتقلين، والذي أدى الى إصابات خطيرة ومهددة للحياة شملت كسوراً في الأضلع، تحللا في العضلات، كدمات شديدة على كافة أنحاء الجسد، وعلامات تورم على الجسم، وتقرحات في الجلد، وعدم قدرة على السير على القدمين، وفي عديد من الحالات قام المحققون بتعصيب عيني المعتقل ومن ثم القيام بضربه بشكل مفاجئ بحيث لا يتوقع مكان الضرب. وقد ظهر العديد من المعتقلين في جلسات المحاكمة وآثار الضرب تغطي أنحاء جسدهم، وذكروا أنهم يعانون من أوجاع شديدة، حتى أن بعضهم كان يُنقل للمحكمة على كرسي متحرك لعدم قدرته على السير نتيجة الضرب والتعذيب. وفي إحدى الحالات، كان هدف الضرب هو قتل المعتقل الذي جرى نقله للمشفى في حالة الخطر الشديد بعد 30 ساعة من الضرب المبرح. وفي حالة أخرى كان المحققون يتعمّدون الضرب بشكل مباشر على جرح كان قد تعرض له المعتقل لحظة اعتقاله؛ مما أدى إلى نزيف في الجرح. بالإضافة إلى تعمدهم الضرب على منطقة المحاشم في بعض الحالات. وفي العديد من الحالات الأخرى كان المحققون يشدون شعر وجه المعتقل من الجذور بشكل عنيف، مما ترك آثاراً لجروح وعلامات على الوجه. الحرمان من النوم: تم استخدام هذا الأسلوب بأشكال مختلفة، ففي بعض الحالات سُمح للمعتقل بالنوم من ساعة إلى ثلاث ساعات فقط خلال أسبوعين، وحتى خلال هذه الساعات القليلة كان السجانون يتعمدون إزعاج المعتقل من خلال إصدار الأصوات العالية والطرق على باب الزنزانة، أو تعمد المحققون إسماع المعتقل أصوات لمعتقلين آخرين يتعرضون للضرب الشديد. في حالات أخرى، حُرم المعتقل من النوم لفترات تتراوح من 30 حتى 60 ساعة بشكل متواصل، وبمجرد أن يغفو المعتقل خلال جلسة التحقيق يتم إيقاظه فوراً إما عن طريق الضرب الشديد على الوجه أو من خلال رشق الماء عليه. وصف المعتقلون الصفعات التي تعرضوا لها على الوجه بأنها شديدة جدا إلى درجة شعورهم بعدم التوازن بعدها. استخدام أفراد عائلة المعتقل للضغط عليه/ها: تم استخدام التعذيب النفسي وسوء المعاملة بحق غالبية المعتقلين، وذلك من خلال تهديد المعتقل بأفراد عائلته. حيث استخدمت سلطات الاحتلال سياسة العقوبات الجماعية من خلال اعتقال أو استدعاء أفراد من عائلة المعتقل إلى مركز التحقيق، وبعض أفراد العائلات اعتقلوا لعدة أيام والبعض الآخر لعدة ساعات، وفي كل الحالات كان الهدف هو الضغط على المعتقل، حيث كان المحققون يعلمونه أنه تم اعتقال أحد أفراد عائلته ويضعونه في مكان بحيث يرى هذا الفرد من عائلته مكبلا في غرفة التحقيق، ويخبرونه أنه سوف يتعرض لنفس التعذيب الذي تعرض له المعتقل إن لم يدلِ بالمعلومات، وطال الاعتقال الآباء والأمهات، والبنات والأبناء والأخوة بالإضافة إلى الزوجات. التحقيق في السجون الإسرائيلية السرية: وثقت الضمير حالة معتقل أكد أنه تم نقله الى مركز تحقيق سري غير معروف، حيث ذكر المعتقل أن جميع المحققين كانوا مقنعين ويرتدون زياً مختلفاً عن الزي الرسمي المعروف. ومن الجدير بالذكر أنه تم الكشف سابقا عن وجود سجون سرية لدى دولة الاحتلال، ويتم اخفائها من الخرائط والصور الجوية. إن المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة في الأشهر الأخيرة هم ذكوراً وإناث، طلبة جامعات، نقابيين، مدافعين عن حقوق الإنسان، ونائب في المجلس التشريعي، حيث بدأ محامو الضمير بجمع أدلة قاطعة تثبت ممارسة التعذيب وسوء المعاملة بحق المعتقلين في مراكز التحقيق منذ اليوم الأول الذي سمح لهم فيه بمقابلة المعتقلين.

 

القانون الدولي العام

انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة

تتجاهل المحاكم العسكرية الإسرائيلية ضمانات المحاكمة العادلة بشكل مطلق. والحالات التي تم رصدها في الأشهر الأخيرة ما هي إلا دليل آخر على واقع المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي لم تلتزم منذ إنشائها بالمعايير الدنيا لضمانات المحاكمة العادلة. بالرغم من أن الحق في محاكمة عادلة مكرس في جميع اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية. وفقًا لاتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة، فإن حرمان شخص محمي من محاكمة عادلة ومنتظمة يعد انتهاكًا خطيراً لاتفاقيات جنيف. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحق في محاكمة عادلة منصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي العديد من الصكوك الدولية الأخرى. على سبيل المثال، ذكرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تعليقها العام على المادة (4) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أنه لا يمكن التنصل من مبدأ المحاكمة العادلة. تشمل المبادئ الأساسية لضمانات المحاكمة العادلة التي تنتهك بشكل منهج في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي: الحق في محاكمة من قبل محكمة مستقلة ومحايدة تم تشكيلها بانتظام، قرينة البراءة، حق المتهم بإبلاغه بجميع المعلومات عن طبيعة الاتهام الموجه له وسببه (الحق في إبلاغ المتهم)، الحقوق والوسائل الضرورية للدفاع (الحق في الاستعانة بمحام)، حق المتهم بحضور المحاكمة، الحق في عدم إجبار الأشخاص المتهمين على الشهادة ضد أنفسهم أو على الاعتراف بالذنب. لم تكن جلسات واجراءات المحاكمات مفتوحة للعامة، حيث امتد المنع ليشمل أفراد الأسر من حضور جلسات المحاكم في بعض الأحيان، وذلك بناءً على أمر منع النشر الذي اصدرته محكمة الصلح الإسرائيلية في القدس، والذي ظلّ ساري المفعول لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر. حيث ينتهك أمر منع النشر وما نتج عنه الحق في علانية الجلسات والإجراءات العامة للمحاكمة. بالإضافة الى ذلك، تم حظر غالبية المعتقلين الذين شملهم أمر منع النشر من زيارات المحامين، وحرمانهم من الحق في استشارة محام. حتى في جلسات المحكمة التي عقدت أثناء سريان أمر حظر المحامي، لم يسمح للمحتجزين برؤية محاميهم، وتراوحت مدة أوامر منع لقاء المحامي من 30 إلى حوالي 45 يومًا في بعض الحالات، مما حرم المعتقلين من حقهم في استشارة المحامي في الفترة الأهم في الاعتقال. علاوة على ذلك، وفقًا للقانون العسكري الإسرائيلي، يمكن احتجاز المعتقل دون أي تهم لمدة 75 يومًا قابلة للتجديد. في الحالات المذكورة أعلاه، قدمت النيابة العسكرية الإسرائيلية لوائح الاتهامات بعد فترة من التحقيقات تراوحت ما بين 50 و 60 يومًا في بعض الحالات. في إحدى الحالات أمضى أحد المعتقلين أكثر من 100 يوما في مركز تحقيق المسكوبية دون معرفة كامل التهم الموجهة ضده، مما يعد انتهاكاً صارخاً لحق المعتقل في إبلاغه بطبيعة الاتهامات الموجهة إليه دون أي تأخير. وفي بعض الحالات نشر جهاز المخابرات الاسرائيلي بيانات وتصريحات توجه اتهامات ضد أفراد من المعتقلين السابق ذكرهم لوسائل الاعلام والجمهور الاسرائيلي قبل تقديم لوائح الاتهام في المحكمة، وكانت هذه التصريحات لدوافع سياسية بحتة، لأن التهم الفعلية الموجهة ضد نفس المعتقلين في المحكمة العسكرية لا تتوافق مع الاتهامات التي تم نشرها. بالإضافة الى ذلك، وفقًا لبروتوكولات جلسات المحاكم العسكرية، أظهر المعتقلون وعبروا عن حاجتهم إلى رعاية طبية عاجلة من خلال التأكيد على تعرضهم للتعذيب. حيث حضر بعض المعتقلين جلساتهم على كرسي متحرك، في حين لم يتمكن البعض الآخر من حضور عدد من جلسات المحكمة بسبب حالتهم الصحية، وعلى الرغم من ذلك، وافق القاضي في المحكمة العسكرية في جميع القضايا على تمديد فترات الاحتجاز للمعتقلين لأغراض الاستجواب.  في الأشهر الثلاثة الماضية، قدم محامو الضمير العديد من طلبات الطعون إلى محاكم الاستئناف العسكرية الإسرائيلية بشأن فترات الاعتقال، والعديد من طلبات الالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن الأوامر التي تمنع المعتقلين من مقابلة محاميهم، وقوبلت جميع الالتماسات المقدمة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بالرفض، كما ورُفض حوالي 95 بالمائة من الطعون المقدمة الى محكمة الاستئناف العسكرية الإسرائيلية. وهذا يدل على أن المحاكم العسكرية والمحكمة العليا ليست محاكم مستقلة ومحايدة ومشكلة بانتظام، حيث أنها تضع طلبات واحتياجات جهاز المخابرات الإسرائيلي كأولوية رئيسية دون أي اعتبار لحقوق المعتقلين. والأهم من ذلك، إصرار القضاة الإسرائيليين في كلا المحكمتين على تمديد فترات الاستجواب مع علمهم بالتعذيب الممارس يدل على تواطؤ هذا النظام القانوني في الجرائم المرتكبة. في الواقع، لقد شارك القضاة أيضًا في عرقلة توثيق التعذيب بمحاولة منع المحامين من الحصول على تقارير طبية وصور لأجساد المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب، بدلاً من مراقبة وتوثيق ومنع التعذيب، وهو واجب قانوني عليهم.

أخيراً، تجدر الاشارة والتأكيد على أن عدد من هؤلاء المعتقلين أجبر على تقديم اعترافات تحت التعذيب.  حيث أجبرت قسوة التحقيق وشدة التعذيب الجسدي والنفسي غالبية المعتقلين على الإدلاء بشهادات ضد أنفسهم وضد الآخرين والاعتراف بالذنب.[13] في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، تُستخدم تلك الاعترافات كأداة رئيسية لإدانة هؤلاء المعتقلين، في انتهاك صارخ لجميع المعايير الدولية التي تؤكد عدم قبول جميع الاعترافات التي يتم انتزاعها تحت التعذيب كدليل على الادانة.

 

حظر التعذيب في القانون الدولي العام

يعد الحظر المطلق للتعذيب أحد أهم قواعد القانون الدولي التي لا يمكن التنصل منها. إن الحماية من التعذيب في جميع الظروف مكرسة في كل من قواعد المعاهدات والاتفاقيات الدولية والقانون الدولي العرفي على حد سواء. ولكن على الرغم من الحظر المطلق وغير القابل للتنصل منه، المنصوص عليه في المادة (2) من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، والتي صادقت عليها إسرائيل في 3 تشرين الأول 1991، فإن التعذيب ضد المعتقلين الفلسطينيين يمارس بشكل ممنهج وواسع النطاق في سجون الاحتلال ومراكز التحقيق الإسرائيلية. في الواقع، شرّعت المحكمة العليا الإسرائيلية التعذيب من خلال سلسلة متلاحقة من قراراتها. ففي عام 1999، في قرار رقم (5100/94) سمحت المحكمة العليا الإسرائيلية باستخدام “وسائل خاصة للضغط” في حالة سيناريو “القنبلة الموقوتة”، حيث يعتقد المحققون أن المشتبه فيه يخفي معلومات قد تمنع تهديدًا أمنياً خطيراً كما هو مذكور في المادة (34/1) من قانون العقوبات الإسرائيلي لعام 1972. يشكل هذا الاستثناء ثغرة قانونية خطيرة تضفي الشرعية على التعذيب وضروب المعاملة القاسية من قبل محققي المخابرات الإسرائيلية ضد المعتقلين الفلسطينيين، كما تحمي المحققين وتحصنهم من جرائمهم. كما أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، في قضية طبيش رقم (9018/17) لعام 2018، حكماً وسّع مفهوم سيناريو “القنبلة الموقوتة” ليشمل الحالات التي لا تشكل تهديدات أمنية وشيكة.؛ في هذه الحالة، استند القاضي في قراره إلى قرارات سابقة ووسّع مفهوم الفورية بحيث لا يقتصر على إطار زمني. تزعم دولة الاحتلال الإسرائيلية أن “التدابير الخاصة” التي تستخدمها مع المعتقلين الفلسطينيين هي جزء من إجراءاتها الأمنية. ومع ذلك، فإن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى التعذيب وسوء المعاملة، وحتى لو كانت الادعاءات الإسرائيلية دقيقة، فإن التعذيب محظور تمامًا في جميع الظروف بما في ذلك التدابير المتعلقة بالأمن. أضف إلى ذلك أنه يتم ارتكاب التعذيب في مراكز الاستجواب الإسرائيلية بغض النظر عن تصنيف “وضع قنبلة موقوتة / تدابير خاصة”، حيث يُستخدم التعذيب في حالات تشمل حتى الحق في الانتماء والتنظيم السياسي. تؤكد جميع المعايير القانونية الدولية الحظر المطلق للتعذيب في جميع الظروف، فقد نصّت المبادئ التوجيهية الصادرة عن المجلس الاوروبي المتعلقة بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب التي اعتمدتها لجنة الوزراء في المجلس بتاريخ 11 تموز من العام 2002 على ما يلي: “إن استخدام التعذيب أو المعاملة القاسية والعقوبات اللاإنسانية أو المهينة محظورة بشكل مطلق، في جميع الظروف، وخاصة أثناء اعتقال واستجواب واحتجاز شخص يشتبه في قيامه بأنشطة إرهابية، بصرف النظر عن طبيعة الأعمال التي يُشتبه في ارتكابها أو التي أدين بها. كما صرح مقرر الأمم المتحدة المعني بالتعذيب (نيلز ميلزر)، بأن: ” حظر التعذيب وسوء المعاملة يعد من أحد أهم قواعد القانون الدولي ولا يمكن تبريره في أي ظرف من الظروف. كما أضاف في نفس التصريح في الحديث عن السجن الأمريكي في خليج غوانتانامو، “بأن فشل السلطات الامريكية في محاكمة جريمة التعذيب التي تمت بينما كان المعتقلون في ولاية وكالة المخابرات المركزية، يضع الولايات المتحدة الامريكية في موقع انتهاك صارخ لاتفاقية مناهضة التعذيب ويرسل رسالة خطيرة عن رضا السلطات في الولايات المتحدة عن هذه الجرائم وإفلات الفاعلين من العقاب  إن دولة الاحتلال الإسرائيلية هي مثال شائن على التواطؤ والإفلات التام من العقاب لمرتكبي جرائم التعذيب وسوء المعاملة.

 

خاتمة: الإفلات والحصانة من العقاب على جريمة حرب

يستمر الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي في انتهاك جميع العناصر القانونية لنظام الاحتلال بموجب القانون الدولي.  حيث يعد النظام القانوني والممارسات القانونية الإسرائيلية مجرد مثال على هذا الانتهاك الذي يهدف إلى قمع الشعب الفلسطيني المحتل والسيطرة عليه. ولا تقتصر جرائم التعذيب وسوء المعاملة الإسرائيلية وحرمان المعتقلين الفلسطينيين من محاكمة عادلة على جانٍ واحد فقط. في الواقع، تعتبر كافة سلطات وأجهزة الاحتلال الاسرائيلي متواطئة في هذه الجريمة؛ من جهاز المخابرات الاسرائيلي الى المحاكم العسكرية الإسرائيلية والنيابة العسكرية الإسرائيلية إلى المحكمة العليا الاسرائيلية، وحتى الطاقم الطبي الذي شارك في تقديم التقييم والرعاية الطبية للمعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة. بناءً على خبرة عمل طويلة للعديد منظمات حقوق الإنسان التي تعمل على توثيق جرائم الاحتلال بهدف ملاحقة ومساءلة سلطات الاحتلال على جرائمه، لا توجد آليات محلية فعالة للمساءلة على جرائم التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من المحاكمة العادلة. حيث قدمت مؤسسة الضمير في السنوات العشر الأخيرة، عشرات الشكاوى على التعذيب سنوياً، ولم يتم فتح تحقيق في أي منها.  الحالة الوحيدة التي تم فتح تحقيق فيها من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، هي قضية تحرش جنسي، وتم إغلاقها دون توجيه اي اتهام ضد الجناة في هذه القضية. علاوة على ذلك، وفقًا للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل (PCATI) منذ عام 2001، تم تقديم حوالي 1200 شكوى عن التعذيب أثناء التحقيق في مراكز تحقيق الاحتلال. لكن جميع هذه الشكاوى قد تم إغلاقها دون أي إدانة تؤكد مؤسسة الضمير أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية بجميع أجهزتها تواصل ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ تبعا لنظام روما الأساسي، يعتبر الحرمان من المحاكمة العادلة والمنتظمة جريمة حرب وفق (المادة 8 (2) (أ) (6)). بالإضافة إلى ذلك، يعتبر التعذيب جريمة حرب وفقاً ل (المادة 8 (2) (أ) ‘2’)، إذا تم ارتكابه في إطار منهجي واسع النطاق، فإنه يعد بمثابة جريمة ضد الإنسانية وفق (المادة 7 (1) (w)).

أخيراً، تدعوا مؤسسة الضمير المجتمع الدولي إلى محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ووضع حد لإفلات سلطات الاحتلال وحصانة الجناة من العقاب.

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: