روايات في أدب السجون

كلمة تشبه المشهد

علي شكشك

المشهد ليس غائماً ولا ضبابياً، بالرغم من كل هذه الغيوم وهذا الضباب، هذا الاضطرام هو عين الكشف، وهو توليفة الألوان الممتزجة كما ترسمها الإرادات والأهواء والصراعات والأشواق والأحلام، كل ما يرضينا ولا يرضينا، كل ما يؤلمنا ويوجعنا في الصميم، كل ما يلامس شغفنا ويمس حدود حلمنا ويلوح بضوءٍ في ديجورنا، وكل ما يبدو كأنه يغلق نوافذ الروح ويسلمنا لمزيد من التيه، فالمشهد ليس تيهاً حتى ولو تجلّى في المشهد التيه،لم يكن شيئٌ غيرَ متوقعٍ في مفردات يومياتنا، ولم يكن شيءٌ مفاجئاً، منذ أول الحكاية، فقد وثّقت اليوميات والأشعار والهواجس والكتابات والحركات، وثّقت تاريخنا الحديث ودلّتنا عليه، كما وثّقته الأغاني والفنون، لكننا كنا نتدحرج في زمننا بقوة فارق الحشد والطاقة والنفير، وهي ليست مفردات دالّة فقط على معادلاتها المادّية كما قد يتبادر إلى المخزون من إدراكنا، ولكنه يغور إلى ما هو ابعد عمقاً من ذلك، في مستكنات الروح وجينات النفس، وهو ما يؤسس لإمكانية ترجمته إلى المرادفات المادية المعنية،إذا كان كلُّ شيء يبدأ في الجوهريّ من الإنسان، على مستوى النفس والروح والبصيرة، وعلى مستوى العزم والإرادة، وعلى مستوى الحلم والرؤية، وعلى مستوى الكرامة، وهي المزايا التي تسكن الأغوار بمقتضى الفطرة والتكوين الأول، فإن الأمر  ليس إلا هناك، وإذا كان التاريخ الإنساني ليس إلا ما صنع الإنسان بنفسه على مدار الأيام مستثمراً ما لديه من هِباتٍ وما حوله من مُسخَّرات، فإنّ كلَّ البشر يملكون نفس الفرصة في صناعة التاريخ، ولا يكون التمايز إلا بمدى ما سلف ذكرُه من فارق الحشد والطاقة والنفير،

الحشد والطاقة والنفير على مستوى النفس والروح والعقل والسموّ والبصيرة والكرامة والحلم، وهي الشروط الجصريّة لتَحقُّقِ تمثّلِها على المستوى المادّي المتمثّل في أعراض القوة وأسبابها، وإبداعات الذكاء والمراوغة، بل إن ذلك الأساس في طبقات النفس والروح هو أيضاً شرط نجاعة استخدام معادلات القوة كما هو شرط إنتاجها وإبداعها،هكذا يصبح الأمر هو أننا ليس إلا ما نريد، فكيف يمكن أن يكون المشهد غائماً أو ضبابياً، إلا إذا كنا فقط ما يريد الآخرون، حيث حينها فقط نظلّ نحاول أن نتوجس ما يريدون بنا، وما يدبرون لنا، وما يرسمون لمستقبلنا، ونحاول أن نجد لنا مكاناً آمناً في الزاوية التي حددوها لنا، ليس بعيداً عن الهامش وحسب حاجتهم إلينا ديكوراً أو شاهداً على تميزهم وسيادتهم وعزّتهم، .. المشهد ليس غائماً ولا ضبابيا، هو ليس إلا ما نريد.

 

فضاءُ الحكايةِ أرحبُ من سطوةِ القبوِ

 

سميح محسن

(1)

لكم أيها الذاهبونَ إلى السجنِ

أن تكتبوا ما تشاءونْ

أسماءَكم واحداً، واحداً فوقَ جدرانِ أيامِنا

اكتبوا دونما اكتراثٍ

بما سوفَ تبقونه مِنْ كَلامْ

 (2)

لكم أيّها الذاهبونَ إلى السجنِ

أن تُفصِحوا عن خواطِركم في الطريقِ إلى الحجزِ

أن ترسُموا نجمةً في الفضاءِ البعيدِ

وأن تكتبوا فوقَ أجباهِنا كلَّ شيءٍ

وأنْ تذهبوا بالحكاياتِ ليلاً إلى منتهاها

وأن تجعلوا جِلْدَنا رقعةً من رِقاعِ الكتابةِ

تحكوا رواياتكم

في أدقِ التفاصيلِ

أن تنحتوا جبلاً

فوقَ لوحِ الرخام

(3)

لكم أيّها القابعونَ وراءَ الحكاياتِ

أو في حَوافِ السنينِ

بأن تحبسوا دمعةً في المآقي

أمامَ الصغارِ الذين استفاقوا عليكم وراءَ الزجاجِ

صباحَ الزيارةِ في السجنِ

لم يسألوا عن معاني الروابطِ

أو عن حدودِ العلاقةِ

بينَ الزجاجِ

وبين البراويز

الزجاجُ عوازلُ للشوقِ

في لحظةِ الالتئام

 (4)

لَكُم أيّها القابعونَ وحيدينَ في غرفِ العزلِ

أن تحبسوا الدمعَ غصباً

أمامَ اللواتي صبَرن على شَفرةِ الوقتِ

والموتِ

أن تشعلوا شمعةً في الهزيعِ الأخيرِ

على ذكرياتِ اللواتي رحلنَ بعيداً

تكفَّنَ بالحزنِ

والصمتْ

رحلنَ وراءَ الغيابِ

وراءَ الغيابِ غيابٌ

وبابٌ

ترابٌ

رحلن بدونِ وسام

 (5)

لكم أيُّها الساردون حكاياتكم في ليالي الشتاءِ الطويلةِ

أن تستفيضوا بما تحفظون من السردِ، والقصِّ

أن لا تبوحوا بما خبأته النفوسُ عن امرأة تصطلي في شظايا الغيابِ

وأنْ تعشقوا في الخيالِ

وأن تنجبوا

تبحروا في فضاءِ الحكاياتِ

عن لحظاتِ اكتشافِ بكارةِ أسمائهن على صخرةٍ في مكانٍ قصيّ

وأن تشعلوا من لظى الكلماتِ سجائركم في الهيام

 (6)

لكم أيُّها القابعونَ وراءَ الشبابيكِ

أو في ثنايا الزنازينِ

أن تبصقوا في عيونِ المحققِ دونَ اكتراثٍ

وأن ترفضوا ما يقولْ…

فضاءُ الحكايةِ أرحبُ من سطوةِ القبوِ

والقبرِ

من نجمةٍ تحتمي بالأساطيرِ

أرحبُ من نجمةٍ في الظلام

——————-

*القصيدة من مجموعة (جمرة الماء) التي صدرت عام 2011

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: