الأسير المحرر أنيس التلاحمة يروي تجربته النضالية

يواصل مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس نشر تجارب الأسرى ،حيث ينشر بحلقة هذا الأسبوع تجربة الأسير المحرر أنيس التلاحمة من مدينة دورا .

التلاحمة سيرة ومسيرة

أنا أنيس حربي يوسف التلاحمة من بلدة دورا مواليد 20/6/1986 ، كان والدي يعمل مدرسا ثم مديرا لمدرسة خرسه إلى أن تقاعد عام 1999، في عام 2004 كنت طالبا في الثانوية العامة (التوجيهي ) وكنت أتطلع لان أتفوق في دراساتي وأكمل تعليمي الجامعي ، في تلك الفترة كانت انتفاضة الأقصى على أشدها ، ورافق ذلك الكثير من المشاهد المؤذية التي كانت تبثها الفضائيات عن القتل والتنكيل الذي يمارسه الاحتلال ضد أبناء شعبي في كافة المناطق الفلسطينية ، كانت تلك المشاهد المؤلمة تشعرني بان علي واجب الدفاع عن أبناء وطني ، كنت أرى في ذلك ليس واجبا وطنيا فقط بل واجبا دينيا أيضا .

بدأت أفكر بالالتحاق بإحدى التنظيمات الفلسطينية ، لكن ذلك كان يحتاج إلى الكثير من الوقت ومعرفة المداخل إليها ، لكني قررت إتّباع اقصر الطرق وهي الانطلاق مباشرة إلى مقاومة الاحتلال بتوجه شخصي وانطلاقة ذاتية ، تشاورت مع احد أصدقائي وهو منصور يوسف نصار الشحاتيت ، وقررنا تنفيذ عملية طعن ضد المستوطنين .

وفي يوم 11/3/2004 وفي شهر رمضان المبارك وبعد السحور نية للصيام ، تسلحت أنا ومنصور كل منا بخنجر وتوجهنا مع العمال فجراً إلى منطقة السبع المحتلة عام 1948 ، من إحدى المداخل التي يتهرب منها العمال إلى الداخل المحتل والتي تعرف بطريق الكسارات ، وقد عزمنا على الاستشهاد ، ووصلنا بإحدى سيارات الأجرة التي تقل العمال إلى منطقة تدعى ( ريموت ) ، حوالي الساعة العاشرة والنصف شاهدنا هناك احد المستوطنين يتجول في المكان، انقضينا عليه وباشرنا حتى وقع على الأرض ، و جرحت يدي عندما سحب منصور الخنجر من يدي لاستخدامه مرة أخرى ،وبعد التنفيذ انطلق منصور مسرعا وفي لحظات كان عشرات المستوطنون يمسكون بي وطرحوني أرضا وانهالوا علي ضربا وتنكيلا ، كان منصور قد ابتعد مسافة مئة متر تقريبا ، وعندما تم تهديده بإطلاق النار عليه وأطلقت عدة طلقات تحذيرية عاد وسلم نفسه خشية على حياتي لأنه اعتقد انه هروبه سيدفعهم للانتقام وقتلي ، كان المستوطن قد تلقي تسع طعنات كما ورد في تقرير الطب الشرعي في المحكمة خمسة من منصور وأربعة مني ، وكان كل اعتقادي بأنه قد فارق الحياة .

بعد دقائق كانت قد تجمعت عند الحادث قوة كبيرة من الجيش والشرطة وتم نقلنا إلى المركز للتحقيق في بئر السبع  وفي الطريق  إلى مركز التحقيق كنت مغمى العينين وتوقفت السيارة التي تقلني بجانب محطة بنزين صعد إليها شخص جلس في المقعد الأمامي شخص من لهجته قدرت انه عربي متعاون مع الاحتلال ، سألني سؤال واحد قال لي : ” أنت مبسوط ” واعتقد انه قد تم إحضاره للتعرف علي وإعطاء تقدير موقف عني ، وعند وصولي الى المركز كانت الصحافة الإسرائيلية واذكر انه كان من ضمنها القناة الثانية ، وعندما سئلت عن سبب تنفيذي العملية أجبت : ” أن ذلك أمر رباني ” وقد اخذ ذلك في تلك الفترة نقاش وتحليل واتهام بالتطرف الديني رغم أنني وقت تنفيذ العملية كنت قاصرا لم ابلغ الثامنة عشر من عمري .

كان ضابط يدعى الكابتن نور قد تولى التحقيق ، لم يكن أي شيء يمكن إخفاءه ، وتم توثيق أقوالي وكان تركيز التحقيق حول وجود شركاء أو أشخاص لهم علاقة بإعطاء أوامر بالتنفيذ ، حيث أن ما قمنا به هو مبادرة ذاتية غير مرتبطة بأي من التنظيمات الفلسطينية .

تم نقلي بعد الاستجواب إلى المنطقة التي دخلت منها وهناك طلب مني التأكيد على المنطقة التي دخلت منها السيارة التي تقلني إلى الداخل المحتل ، ثم عدنا إلى مركز التحقيق حيث تم اخذ بصماتي ، ومن ثم تقلت في سيارة وكنت أرى من تحت العصبة التي كانت تغلق عيني بعض اليافطات التي كتب عليها الطريق إلى غزة ، وخطر في بالى خاطر انه ربما سيتم إبعادي إلى غزة ، إلا انه تم نقلي إلى مركز تحقيق عسقلان ، وهناك هددني المدعو كابتن نور وقال لي : أعدك بأنك لن ترى الشمس مطلقا بعد اليوم ، كان يتجمع في باحة العيادة حوالي خمس عشرة جنديا وما أن دخلت حتى انهالوا علي سبا بأفذع الكلمات ، في العيادة طلب الممرض منى نزع ملابسي ، وتم تصويري وأنا احمل رقما ، وبدأ احد الممرضين بخياطة الجرح الغائر في يدي دون استخدام أي نوع من البنج ، وكنت اشعر بألم شديد لدرجة أنني غبت عن الوعي .

بعد الخروج من العيادة لبست اللباس البني المخصص للأسرى ، ثم اقتادني ضابط عرف على نفسه بإسم “ابو حديد ” وأدخلني في الزنزانة رقم 8 ، كنت مرهقا جدا وبحاجة إلى النوم ، وما أن بدأت استسلم للنوم حتى تم إفزاعي بالطرق على باب الزنزانة ، حتى لا أتمكن من النوم ، مكثت على هذه الحالة مدة ثلاثة أيام ومن ثم تم نقلي إلى زنزانة رقم 4 ، كان فيها ثقبان صغيران يفضيان إلى الزنزانة المجاورة ، لم يكن لدي أي خبرة أو معلومات عن تجربة الاعتقال ، ولم يكن لدي أي فكرة عن وجود عملاء في مراكز التحقيق ، كان في الزنزانة المجاورة شخص بدأ الحديث معي وقد حاول طمأنتي بأنه غير متعاون مع الاحتلال ، رغم عدم معرفتي بنواياه إلا أنني قلت له لا تتحدث معي أنا متأبد في السجن .

في اليوم التاسع ادخل عندي شخص اسمه عبد الله تحدث الكثير عن بطولات وهمية لم يساورني أي شك فيه لكنني عرفت أن هناك حياة أخرى في السجن غير حياة الزنازين ، فقد كنت اعتقد أن ظروف التحقيق هي الحياة الدائمة في السجن ، استمر وجودي في الزنازين تسعة وأربعين يوما زارني خلالها المحامي مرة واحدة .

خلال وجودي في التحقيق كنت اسمع من وراء الجدران أصوات وأصغي إلى صوت التلفزيون يأتي من بعيد قدرت أن هناك حياة غير حياة التحقيق ، لقد كانت بالفعل غرف العصافير ( العملاء ) المحاذية لمركز التحقيق .

نقلت بعدها إلى معتقل مجمع هاشارون  حيت أدخلت إلى قسم الأشبال وبعد عدة أيام جلست أولى جلسات المحكمة العسكرية وقد علمت أن المستوطن المطعون حي وعلى قيد الحياة ، وان حكمي سيكون دون المؤبد ، كانت الحياة في قسم الأشبال صعبة خاصة وانه لا يوجد أشخاص كبار في السن ينظموا الحياة داخل السجن ، بعد شهرين تقريبا نقلت إلى معتقل هليكدار ،الذي  كان قد افتتح حديثا وليس فيه الحد الأدنى من مقومات الحياة ، كان معظم النزلاء من الأسرى الجدد ، كان المعتقل يفتقر للملابس والأواني والأغطية، كان الجميع محروم من زيارة الأهل ، وتعتبر هذه الفترة من أهم الفترات التي أثرت على حياتي وكانت أول مواجهة حقيقية مع ظروف الاعتقال حين خضنا إضرابا مفتوحا عن الطعام بتاريخ 14/8/2004 ولم يكن لدينا أي خبرة اعتقالية او قدرة على المناورة ، مخترقين التعليمات التي وصلتنا من قيادة الإضراب في السجون أن ندخل الإضراب في اليوم العاشر إذا ما استمر الإضراب كون غالبية الأسرى من صغار السن وحديثي الاعتقال ، وقد ركزت الإدارة كل ضغطها على الأشبال من اجل كسر الإضراب ، فقد احضروا لنا صورا مفبركة للأسير القائد مروان البرغوثي وهو يأكل الطعام لتثبيط معنوياتنا ، وكان السجانون يقومون بإثارة رائحة شواء اللحوم في أرجاء السجن ، وبعد اليوم العاشر اصبحت لا أقوى على الوقوف ، وكانت التعليمات الطبية تقول بأنه إذا أراد شخص أن يقف عليه أن يقف على مراحل حتى تصل دورة الدم البطيئة إلى الدماغ ، إلا إنني أردت أن أقف مرة واحدة وأغمي علي وسقطت على الأرض وارتطم وجهي بالأرض وبدأ الدم ينزف من فمي وانفي وقد نقلت الى المستشفى ، وبعد عشرة أيام من وجودي في قسم 7 الذي تواجد فيه المرضى تم تعليق الإضراب بناءً على اتفاق بين قيادة الإضراب وإدارة السجون بعد أن قطعت إدارة السجون وعودا بتحقيق بعض المطالب التي تنكرت لها فيما بعد ، حيث أن الإضراب جاء في ظروف سياسية صعبة في أوج انتفاضة الأقصى وقد اعتبرته الحكومة الإسرائيلية إضرابا سياسيا وليس إضرابا مطلبيا .

في هذا المعتقل كرست جهدي للقراءة وقد حفظت سبعة أجزاء من القران الكريم وتعلمت اللغة العبرية والتي أهلتني لان احصل علي شهادة مترجم قانوني بعد خروجي من السجن .

المحكمة :

تشكلت لي محكمة عسكرية من ثلاثة قضاة بناء على التهم الموجة وهي الشروع بالقتل العمد ودخول إسرائيل بهدف تنفيذ عمل إرهابي  ، جلست حوالي خمسة عشرة جلسة في محكمة سجن عوفر وكانت محامي الدفاع المحامية أحلام حداد ، طلب الادعاء العام السجن الفعلي بسبعة عشر عاما ، وكون العملية حدثت وأنا في سن دون الثامنة عشرة عقدت صفقة بين الادعاء العام والمحامية على الحكم الفعلي اثنتي عشر سنة .

انتقلت بعد الحكم الى سجن ريمون وهناك التقيت الأخ جهاد الشحاتيت وخالد عمرو ونادر طبيش وعيسى الدرابيع والأخوين أنيس وأكرم النمورة ، وفي هذا المعتقل تلقيت العديد من دورات الكادر لحركة فتح إضافة إلى دورات في المجال السياسي وقمت بالعديد من القراءات إضافة إلى وجودي في مراكز قيادة في التنظيم ، فقد انتخبت عضو مجلس ثوري لحركة فتح في المعتقل ، وأخذت دورات في الخطابة وأصبحت خطيب الجمعة في المعتقل لمدة خمس سنوات ، تسلمت اللجنة الثقافية وكنت أعطي جلسات تثقيفية وإدارة حلقات نقاش أثناء زيارات الغرف الأسبوعية التي كانت يسمح لنا بلقاء زملائنا في الغرف الأخرى كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع كما عملت مساعدا للمتحدث باسم المعتقل أمام إدارة السجن .

أفرج عني بتاريخ 10/3/2016 بعد أن أمضيت فترة الحكم كاملة .

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: