الأسير المحرر ماجد بدران يروي تجربته النضالية

 

يواصل مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس نشر تجارب الأسرى،حيث ينشر بحلقة هذا الأسبوع تجربة الأسير المحرر ماجد بدران من طولكرم .

سيرة ومسيرة

ولد الأسير ماجد احمد نعيم بدران في الثالث من كانون الثاني من العام 1976 في بلدة دير الغصون في محافظة طولكرم ، وفي تاريخ الثالث من تموز من العام 2001 تم اعتقاله وحكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما وفي الثالث من كانون الثاني من العام 2011 تم الافراج عنه ، وقد روى لمركز أبو جهاد ابرز ما مميز تجربته النضالية والاعتقالية .

في العام 2000 اندلعت الانتفاضة الثانية انتفاضة الأقصى وهبت الجماهير الفلسطينية ردا على اقتحام ارائيل شارون للمسجد الأقصى  وكانت الانتفاضة تشتد كل يوم اكثر فاكثر  واصبح الغضب الشعبي يعم كل ارجاء فلسطين وكان يشارك بالانتفاضة الرجل والطفل والمرأة الفلسطينية  واندلعت  المواجهات السلمية بالبداية وأيضا تطورت الانتفاضة اكثر شراسة باستخدام أسلوب المقاومة المسلحة وكانت بشكل يومي تدور الاشتباكات المسلحة مع العدو الصهيوني وكان أيضا  يسقط شهداء ، وتفاقمت الأوضاع في كل أرجاء الأراضي الفلسطينية المحتلة  وكان صدى القتل والتدمير يصل عبر وسائل الإعلام إلى كل أركان العالم  فهبت المدن والبلدات العربية والإسلامية في مظاهرات احتجاج وتضامنا مع شعبنا الفلسطيني  على ما يحدث وانتصارا للدم الفلسطيني المسفوك في دروب التوق إلى الحرية والاستقلال.

بعد كل ما جرى وكان يجري لا بد لأي فلسطيني عنده انتماء لوطنه ولشعبه ان يتحرك دفاعا عن قضيته وحرية شعبه ، كنت أرى بشكل يومي أبناء بلدتي والبلدان والقرى المجاورة وهم يقومون بالتصدي لقوات الاحتلال ويستنفرون بشكل يومي من اجل المواجهة مع جيبات الجيش الإسرائيلي، فقررت ان أشارك واعتبرت نفسي جنديا مدافعا عن بلدي وشعبي وانا أيضا

كباقي أبناء شعبنا لديه الحس الوطني والنضالي تجاه وطننا العزيز ، فشاركت بكل مظاهر الغضب والعمل النضالي من اجل الوطن والمقدسات ، فقدمت وشاركت بأعمال نضالية وكفاحية على مدار سنة مما قاد إلى اعتقالي من قبل قوات الاحتلال الصهيوني .

جاءت احداث اعتقالي على خلفية المشاركة في نشاطات الانتفاضة (انتفاضة الأقصى ) مع مجموعة من الشباب من أبناء البلدة واخرين من بلدة عتيل المجاورة لبلدتنا دير الغصون .

وفي تاريخ الثالث من تموز من العام 2001 قامت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي بمحاصرة واقتحام بيتي في تمام الساعة الثانية ليلا ودخلوا بيتي بطريقة همجية ووحشية وبعد اعتقالي تم نقلي إلى مركز dco ومكثت هناك لساعات طويلة مربوط اليدين وبعد ذلك تم نقلي إلى مركز تحقيق الجلمة وعند وصولي مركز التحقيق شعرت بأني داخل إلى مرحلة جديدة بحياتي وهي مرحلة التحدي مع أقذر أشخاص وهم محققون هدفهم انتزاع اعترافات مني لا يهمهم ماذا سيحصل معي من أساليب من التعذيب والضغط النفسي وبدأت بالفعل هذه المرحلة من رحلة العذاب من التحقيق فقام المحققون بوضعي على كرسي وقاموا بربط يدي للخلف وأنا جالس على الكرسي وربط رجلي أيضا بالكرسي وكان عدد المحققين بالبداية ثلاثة يتناوبون بالتحقيق معي ليلا ونهارا وكانوا يتعمدون إرهاقي من الناحية النفسية حتى انهار واعترف .

كانت جولات التحقيق معي من خلال توجيه تهم منها أني شكلت خلية عسكرية لحركة فتح وهي مجموعة كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح وأيضا وجهوا لي تهمة ضرب أهداف تخص الاحتلال بأكثر من مرة ومن مكان ،وأيضا  اتهموني اني كنت أقوم بالعمل  من اجل ضرب عملاء الاحتلال وجواسيسه ، والتجهيز والتخطيط لخطف احد الجنود للعمل على مقايضتهم بأسرى من الأخوة والأخوات من أسرانا من داخل السجون الصهيونية ، وبالإضافة الى ذلك اتهموني أيضا التحريض ضد الاحتلال وجنوده ومستوطنيه وجواسيسه بكل الوسائل الممكنة من شعرات وإعلانات وكلام ، وطالت جولات التحقيق في زنازين الجلمة من خلال التعذيب والشبح والضغط النفسي وكان محور التحقيق والاسئلة بخصوص هذه التهم التي ذكرتها وكنت أحيانا أثناء التحقيق أصاب بالإغماء وكان جسدي يتشنج من الشبح والضرب واستمر الحال من التحقيق معي لمدة ستون يوما .

وبعد الانتهاء من التحقيق معي تم نقلي الى سجن مجدو ومكثت بسجن هناك لمدة سنتين ، وعند دخولي السجن كان باستقبالي ممثل القسم وممثلين عن  الفصائل وفرزت حين وصولي تنظيم فتح وبدأت أتعرف على الأخوة بالقسم وبدأت أتعرف على الأوضاع المعيشة للانخراط معهم  بالحياة داخل السجن ، واثناء وجودي بسجن مجدو تم الحكم علي بعد عشرات الجلسات ، التي كانت كل جلسة وحدها تمثل شدة وقسوة هذا المجرم الصهيوني بحقي  وبعد ذلك تم الحكم علي بمحكمة سالم لمدة خمسة عشر عاما .

وبعد مكوثي لمدة سنتين بسجن مجدو تم نقلي إلى سجن النقب الصحراوي وهذا السجن التي تحيطه الصحراء القاحلة من كل جوانبه وأوضاع السجن كانت سيئة جدا، مكثت هناك لفترة ليست بالكبيرة ومن ثم تم نقلي الى سجن نفحة  وكانت هذه التنقلات بمثابة عقوبة وليست من باب النزهة لان التنقل عبر البوسطات كانت بمثابة العقوبة وكانت من اشد الأمور قسوة على الأسير بسبب المسافات البعيدة وسوء معاملة السجان، إضافة إلى الهيكل الحديدي الذي يتكون من كرسي البوسطة وضيق هذه الكرسي وبالإضافة إلى الإهانات التي كنا نواجهها من شتائم من قبل الجنود اثناء الطريق بحقنا .

وحين وصولي الى سجن نفحة وحين دخولي للسجن استقبلتني إدارة السجن بطريقة مهينة جدا وبعد ذلك تم نقلي الى الغرف وبعد استقبالي من خلال الأخوة كانت حياتي داخل سجن نفحة عبارة اني كنت اصحو من النوم صباحا أمارس الرياضة وكنت أيضا اهتم بالقراءة والكتابة وأيضا كنت التزم الجلسات التنظيمية صباحا ومساءا وكنت اهتم بالأعمال اليدوية وصناعة المسابح وغيرها من الاعمال اليدوية .

وأثناء السنوات التي قضيتها داخل السجن تنقلت بين عدة سجون حيث تم نقلي الى سجن الرملة ثم الى سجن بئر السبع ثم الى سجن الدامون وثم إلى سجن جلبوع وسجن  نفحة وسجن ريمون .

لا شك بعد الفترة التي قضيتها داخل السجن وهي فترة كبيره وفيها تجارب كثيره واثناء مكوثي داخل السجن شاهدت الحالات الكثيرة من مشاهد العذاب التي يمر بها اسرانا داخل السجون من حرمان ابسط حقوقهم داخل السجون وكذلك من خلال حرمان الكثير من الاسرى من متابعة تعليمهم داخل السجن وبالإضافة إلى الأسرى الذين يعيشون في العزل الانفرادي لسنوات وأيضا الاسرى الأطفال الذين يعيشون البعد عن أهلهم واصدقائهم والذي يتعامل السجان معهم بأشد أساليب القسوة والتنكيل بهم وبالإضافة الى ذلك الاخوات الاسيرات اللواتي هن فخر الوطن كم كان الاحتلال يتعامل معهن بطريقة وحشية ويحاول كسر إرادتهن بأساليب قذرة .

أما المشهد الأكثر ألما بتجربتي داخل السجون هو إخواننا الاسرى المرضى هؤلاء القابضين على الألم وبرغم آلامهم الكبيرة يصمدون ويكبرون بجرحهم ليمثلوا الصمود الأسطوري وليكسروا جبروت إدارة السجون بإرادتهم وصبرهم ، إن إدارة السجون كانت تتعامل مع الاسرى المرضى بطريقة وحشية من اجل الخلاص منهم وقتلهم وكثيرا من الحالات المرضية التي كان  يتعرض لها الاسرى وكانت بالبداية حالات عادية ومرض عادي وبسبب الإهمال الطبي بحقهم من إدارة السجون تتضاعف وتصبح بوضع خطير ، وكم من الحالات المرضية الخطيرة التي كان يمر بها اسرانا وأيضا تقوم إدارة السجون بإهمال حالاتهم وكانت النتيجة هي موتهم .

وبرغم كل هذه الاجراءات التي كانت تتعمدها إدارة السجون من بداية دخولنا الى السجون من تحقيق وتعذيب واهانات والإهمال الطبي بحق اسرانا وغيرها ولكن كنا جميعا كأسرى نواجه كل ذلك بتحدي وصمود وكنا دائما نطور انفسنا داخل السجن لان حياة السجون هي عبارة عن صراع بين الاسرى والسجان وكانت المعركة بين عدو يريد كسرنا وقتلنا داخل السجون وبين ارادتنا وصبرنا ، كنا نحارب السجان بكل شراسة داخل سجنه وخضنا معارك كثيره من  خلال الاضراب عن الطعام من اجل انتزاع حقوقنا ومطالبنا وكنا نضرب أيام واحيانا اكثر من شهر ونصف  ولا شك كنا نتعرض الى التعب الشديد بسبب الاضراب عن الطعام وكنا نتوقع ان نموت بسبب الاضراب ولكن كنا نفضل  الموت على الهزيمة  امام  السجان وبفضل الله انتصرنا مرارا وتكرارا من خلال اضرابنا عن الطعام وحققنا مطالبنا .

لقد استفدت كثيرا من قضاء خمسة عشر عاما داخل السجون وتعلمت الكثير ، تعلمت الصبر وتثقفت أيضا كثيرا من خلال القراءة بشكل كبير داخل السجن وأيضا استفدت من خبرة مناضلين كبار داخل السجون وتعلمت منهم الكثير ، حقا ان السجن هو مدرسة وتعلمت منه كيف يدخل الاسير اليه مناضلا وكيف يخرج منه قائدا.

بالفترة الأخيرة قبل الإفراج عني بعد قضاء خمسة عاما بالسجن وعند اقتراب الافراج عني من السجن كانت مشاعري متضاربة حيث شعرت بفرحة كبيرة ولكني بدأت كل ليلة أفكر كثيرا كيف عند خروجي ساترك اخواني الاسرى الذين عشت معهم سنوات طويلة وتعودت عليهم وبالفعل بالرغم من فرحتي العارمة التي غمرت قلبي لأني سأصبح حرا ولكن اختلط الفرح والحزن  في قلبي بسبب ترك اخواني بالسجن ، وبالفعل تم الافراج عني بعد قضاء محكوميتي وكانت العودة الى أحضان الاهل والاحباب وحياة الحرية المفقودة منذ زمن ، وهذه اللحظة الجميلة جدا والمملوءة بالسعادة المنقوصة بسبب فراق الأخوة داخل السجن وبدأت مواجهة الحياة التي لطالما اشتقت ان أكون حرا ولكنني رأيت الحياة وخصوصا في بدايتها صعبة جدا ولكن بحمد الله استطعت خلال فتره ان اعود لممارسة العمل والاختلاط مع الناس في كل مناسبة واستطعت ان أكون منبرا في بعض الأحيان لتقديم النصيحة وتقديم المعرفة التي اكتسبتها من السجن منذ سنوات للكثير من الجيل الجديد من الشباب ، وبعد خروجي من السجن بسنتين تزوجت واصبح لدي ابنتان .

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: