“جيبوليتيكا افريقيا جدل السياسة الجغرافيا والامن”بقلم البروفيسور بوحنية قوي

صدور كتابنا الجماعي اخيرا عن جيبوليتيكا افريقيا جدل السياسة والامن والجغرافيا 
عن دار الحامد بالاردن 2019- 2020.

الكتاب صدر بفعل تظافر وتعاون كوكبة متميزة من الباحثين من داخل وخارج الجزائر – من مالي ومصر وليبيا- وبمشاركة نخبة من باحثين جزائريين من جامعات جزائرية وباشراف من الاستاذين عبدالقادر عبدالعالي الباحث الرصين والمتميز من جامعة سعيدة والاستاد بوحنية قوي
الكتاب سيكون بحول الله في معارض الكتب الدولية ومنها معرض الجزائر وجاء في حوالي 300 صفحة. وقد غطت الجوانب القانونية والامنية والسياسية والاقتصادية .


وفيما يلي مقدمة الكتاب 
تعتبر القارة الافريقية النموذج الحالي والسائد في مخيال الكثير من الدارسين والمعلقين السياسيين، لوضعية دول العالم الثالث، وللأسف الشديد فقد ارتبط ذكرها بمجموعة من المواضيع السلبية والتي تتركز حولالفقر، والمجاعة، والأمراض، والحروب الأهلية، والصراعات الاثنية، وفشل الدولة،ومعضلة التنمية، والبحث عن التنمية الاقتصادية، وكثير من الاقتراحات والتشخيصات للتنمية انصبت على البلدان الافريقية. كما ارتبطت في ذهن قادة الغرب ومفكريها بمنطقة تعتبر حديقة خلفية لبلدان الأوروبية والتي تقاسمت نفوذها، وتعتبر نموذجا بارزا لسياسات ووضعيات ما بعد الكولونيالية والتي هي استمرار للسياسات الاستعمارية، ونموذج تفسيري لسياسات عدم التكافؤ في التوزيع. وفي المقابل طرحت الكثير من المواضيع على سبيل التفاؤل باعتبار بلدان القارة دول سائرة في طريق النمو، وأن هناك تجارب مشجعة لخروج دول القارة من أزماتها البنيوية والمتمثلة في الاقتصاد التابع وغير المستقل، والدولة الهشة والفاشلة، والمجتمع اللامدني والذي يعاني من التقسيم والانقسام الاثني والقبلي.
من ناحية الدراسات الاستراتيجية والسياسية، تنقسم القارة الافريقية الى مجموعة من المجالات الجغرفية والتي تعتبر فضاءات ثقافية وجغرافية لها مميزاتها الخاصة، فشمال افريقيا يمثل المجال الأكثر انفصالا عن القارة الافريقية، فهو محسوب على بلدان الشرق الأوسط، ولذا ففي ادبيات الجامعات والمراكز البحثية الأميركية من المألوف فيها الحديث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا المعروف اختصار بالانجليزية ب “مينا” MENA ،كامتداد ومجال جغرافي وثقافي أكثر ارتباطا وتجانسا من بقية مناطق أجزاء القارة. أما افريقيا ما وراء الصحراء، فهي تمثل جوهر القارة الافريقية، التي تتصف بكونها القارة السمراء، والقارة التي تمثل مهدا للبشرية، والقارة التي تعتبر بلدانها الأكثر فقرا دون بقية دول العالم. وهي بدورها مقسمة الى أربع مناطق على الأقل: شرق افريقيا، وسط افريقيا، غرب افريقيا ودول جنوب افريقيا.
تاريخ القارة الافريقية:
تمثل القارة الافريقية مجموعة متنوعة من التواريخ، أعظمها ذلك الذي يختفي وراء آلآف سحيقة من السنين، تم فيها تطور الانسان الحالي، وانتشاره من قلب القارة الافريقية، وربما في ناحية من نواحي شرق أفريقيا او شمالها الى بقية العالم القديم والحديث. فالقارة الافريقية تعتبر القارة الأم ومهد الانسان المعاصر، وعاشت فيها حضارات تنتمي الى الحجر الحجري في العديد من مناطقها، وعلى طول الكثير من سواحلها الشرقية. وتمثل حضارة واد النيل، النسخة الموازية لأولى الحضارات التي عرفتها البشرية. وتمثل أيضا أعظم الامبراطوريات التاريخية التي امتدت لأكثر من ثلاثة آلاف سنة. أما بقية شمال افريقيا فتمثل معقلاومهدا لحضارات البربر الموغلة في القدم، والتي اعتمدت على التراث الشفهي والنقوش الصخرية. ورغم التاريخ العريق للقارة، فقد بقيت قسم كبير من أجزائها مجهولا وبعيدا عن منطقة العالم القديم، والذي تمثله كل من منطقة شمال افريقيا وأوروبا والأحزاء الكبير من اسيا والتي تمتد من منطقة الهلال الخصيب الى الصين.
والتاريخ الافريقي الحديث مقترن بالحركة الاستعمارية، والتي كان لها وبال على القارة الافريقية وشعوبها، فقد قترن اكتشاف أواسط افريقيا وجنوبها، بحركة الاكتشافات الجغرافية التي انطلقت من البرتغال واسبانيا، ثم بقية الدول الافريقية، لايجاد ممرات بديلة للتجارة والملاحة، وتعتبر رحلة ماجلال واكتشافه لممر الرأس الأخضر، اقصى سواحل جنوب افريقيا، مثل ممرا بحريا بديلا ومباشرا للوصول الى شرق افريقيا ثم بحر العرب ومن ثم الى المحيط الهندي وسواحل الهند. وقد ترتب على هذا الاكتشاف الشروع في أكبر المآسي التي مست الانسان الافريقي جنوب الصحراء، الا وهي تجارة الرقيق الحديثة، والتي أدت الى اقتلاع ملايين الافارقة من ارضهم ومن أهلهم، ليتم بيعهم ونقلهم الى مزارع القصب في العالم الحديث، وجزر الكراييب. وقد توفي الالاف منهم وهم يعبرون البحر. وقد ترتب على ذلك أيضا تحول القارة الافريقية الى فريسة سهلة للاستعمار الغربي، ومستعمرات للدول الأوروبية والتي تقاسمت فيه نفوذها ومستعمراتها، وتحول الافريقي في هذه المناطق الى مرتبة ما دون المواطنة، والى مجرد خدم وعبيد يخضعون لإرادة المستعمر، وبناءا على هذه السياسات العصنرية والاستعمارية التي لم تستثن بلدا افريقيا، ما عدا اثيوبيا التي بقيت محافظة على استقلالها المنقوص الى غاية الغزو الإيطالي لاراضيها واراضي الصومال. وهذه السياسات الاستعمارية العنصرية، أسست لأولى الممارسات الوحشية الخاصة بالجينوسايد، في وسط افريقيا والكنونعو وامبيا، وهي ممارسات سبقت بسنوات مجازر الحرب العالمية الثانية والهولوكوست اليهودي الذي ارتكبته السلطات الألمانية التي كانت تمارسه على الأهالي الافارقة السود في مستعمراتها بافريقيا.
ورغم حصول الدول الافريقية بعد الحرب العالمية الثانية على استقلالها، فقد تم هذا الاستقلال على درجات ومراحل، كان مقيدا للسيادة الفعلية للدول الافريقية، وحولها الى دول ما بعد كولونيالية تابعة اقتصاديا وسياسيا للمستعمر الأول، وتحولت القارة الافريقية من منطقة مستعمرات، الى مناطق نفوذ أوروبية، تعاني فيها الدول من هشاسة كبيرة في مؤسساتها، وفي الاستقرار السياسي، فقد سجلت القارة الافريقية اعلى معدلات الانقلابات العسكرية في الستينيات من القرن الماضي. ونظرا لطابع عدم التجانس الاجتماعي وتنوع الاثنيات وتوزعها عبر الحدود، والتي تم رسمها بطريقة لا تراعي التقسيم الاثني والطبيعي للمجتمعات الافريقية، فقد تحولت القارة الافريقية الى مسرح كبير من الحروب بالوكالة بين الدول الكبرى اثناء الحرب الباردة، والى مسرح كبير من الحروب الاثنية التي اندلعت بعد نهاية الحرب الباردة، وادت الى وفاة الملايين من الافارقة، وتسجل حروب منطقة البحيرات الكبرى، ومجازر رواندا جزءا من الدموي في افريقيا واحد مخلفات السياسات الكولونيالية التي لا تزل القارة الافريقية تعاني منها.
الوضع السياسي لدول القارة الافريقية:
تمثل القارة الافريقية فسيفساء من الأنظمة السياسية والمجتمعات، والدول التي تتفاوت في مساحتها وخصائصها الجغرافية، وأهميتها الاستراتيجية، لكن ما يغلب على النظم الافريقية هو موقعها المتواضع في الديمقراطية، فنظرا لحداثة هذه الأنظمة نسبيا، وتشلكها بعد الاستقلال الذي تحصلت عليه في الستينيات من القرن الماضي. فإنها تعاني من عدم الاستقرار السياسي، ومعظم دول القارة الافريقية تحول الى النظام التسلطي، وتبنى الخيار الدستوري القائم على النظام شبه الرئاسي او الرئاسي، حيث تمثل التجربة البرلمانية تجربة متواضعة، ومحصورة في بعض البلدان التي تأثرت بالارث الاستعماري البريطاني مثل ناميبيا ودولة جنوب افريقيا ونيجيريا. وقد شهدت القارة الافريقية فترة من التحول الديمقراطي في إطار الموجة الثالثة، التي ازدادت وتيرتها في نهاية التسعنيات وبداية الالفية الثالثة، حيث تزاد عدد الدول الافريقية التي بدأت تدخل في النادي الديمقراطي، وقد استفادت الكثير من دول القارة الافريقية في منطقة ما وراء الصحراء من دروس الماضي والانقلابات العسكرية، وما يعقبه ذلك من إشعال فتيل الحرب الأهلية، فدول مثل تانزانيا، وأثيوبيا، وكينيا في شرق القارة الافريقية، وفي دول غرب إفريقيا، ترصد التقارير الدولية حول مقياس الديمقراطية، بأن نيجيريا، وكوت ديفوار وليبيريا بأنها من الدول التي حققت قفزات معتبرة في التحول نحو الديمقراطية، وتحسن مؤشرات الدمقرطة فيها، رغم معاناتها في سنوات ماضية من نزاعات داخلية وحروب أهلية وفترات قاسية من عدم الاستقرار السياسي. لكن تبقى دولة واحدة على الأقل نجحت الى حد ما في الانتقال الديمقراطي، وهي تونس، إضافة الى دولتين من غرب ووسط افريقيا، وهما السنغال وغانا. وتبقى منطقة جنوب افريقيا هي الأكثر نجاحا في الاستقرار والتحول الديمقراطي، نتيجة لاستقرار هذه الأنظمة، وفق أسس النظام البرلماني والديمقراطية التوافقية، على مستوى أربعة بلدان من هذه المنطقة: دولة جنوب افريقيا، بوتسوانا، ناميبيا ولوزتو.
الوضع الاقتصادي والاجتماعي لدول القارة الافريقية:
يمكن قراءة الوضع الاقتصادي لدول القارة الافريقية من عدة زوايا، فمن زاوية النظم الاقتصادية والأداء الاقتصادي، ومن زاوية حجم الاقتصاد ودور القارة في الاقتصاد العالمي، والمعيقات والفرص التي تزخر بها القارة الافريقية، والتي تجعلها طاقات معطلة. فمن ناحية النظم الاقتصادية، فهي الى حد بعيد متأثرة بالنظم السياسية وبظروف التبعية الاقتصادية والأمنية. فالنظم الاقتصادية الافريقية يغلب على مجملها طابع الممارسة الريعية والانفتاح الاقتصادي المحدود، وسيطرة نخبة مالية لها تحالفاتها امع النخبة العسكرية والسياسية، ومن المؤشرات القوية التي تعكس الوضع المتدهور للاقتصاديات الافريقية، مؤشرات الفساد العالية في الدول القارة. لكن الوضع الوضع الاقتصادي الضعيف الذي تتميز به النظم الاقتصادية الافريقية، لا يسري على كل الدول، حيث يشهد الأوضاع نمو وتطورا في بعض الدول، اذ تعد اثيوبيا خلال العقود الأخيرة من الدول الافريقية الصاعدة في مجال التنمية، كما تشهد دولة رواندا بعد تحقيقها للمصالحة الداخلية في محاولة منها للخروج من ارث مأساة الإبادة العرقية، تشهد نموا اقتصاديا متسارعا، وتسجل هاتين الدولتين أعلى نسب للنمو الاقتصادي في القارة الافريقية.
وتعتبر القارة الافريقية نموذجا للمفارقات الاقتصادية، اذ رغم توفرها على العديد من الموارد الطبيعية، والتي جعلتها عرضة للأطماع الاستعمارية، إضافة الى الموارد الطاقوية والطبيعية، فهي لا تزال تعاني من ضعف كبير في الإنتاج، وتأخر وغياب في المشاريع الصناعية والخدمية المنتجة، ولا زالت على هامش التجارة العالمية، فرغم أن سكان القارة الافريقية أصبحوا يفوقون نسبة عشر سكان العالم، فإنهم من الناحية الأخرى لا تساهم اقتصادياتهم سوى 1.6% من مجمل الناتج العالمي الخام.
فالاقتصاديات الافريقية، لم تحقق للرجل الافريقي الرفاه، ويعد الكثير من الدول الافريقية ضمن الدول الأكثر فقرا، والتي من بينها النيجر وتشاد والصومال. وهذا الوضع الاقتصادي السيء والخانق انعكس كذلك على وجود نسب مرتفعة من البطالة عند كل الدول الافريقية، وحول القارة الافريقية الى قارة طاردة، ومصدرا رئيسيا للهجرة نحو أوروبا والدول المتقدمة.
افريقيا والعلاقات الدولية ونفوذ الدول الكبرى في ظل العولمة:
مع انتهاء الحرب الباردة، وتحول العلاقات الدولية بابعادها المختلفة نحو المزيد من الكثافة والتبادلية والسرعة، كان حظ افريقيا منها، مجرد مجموعة من النتائج السلبية، رغم ما تمثلة العلومة من سياق مليء بالفرص كما هو مليي بالتحديات. فالعالم في ظل العولمة أصبح يعترف بواقع التكتلات الاقتصادية والسياسية الضخمة، والتي يمكنها ان تواجه تغزل الكتل الأخرى، ولذا فقد شهد العالم المعاصر مع مطلق الالفية الجديدة، بروز دول صاعدة عالميا، مثل الصين، وتكتلات إقليمية تبحث لها عن مكانة عالمية وافريقية، مثل الاتحاد الأوروبي، ودول تحاول الحفاظ على هيمنتها وسطوتها العالمية مثل الولايات المتحدة الأميركية، ودول تبحث عن مكانة إقليمية على مستوى القارة او مستوى أجزاء من القارة، مثل دول الشرق الأوسط كتركيا وإسرائيل وإيران. ومن الملاحظ هنا، تراجع دول شمال افريقيا دبلوماسيا على مستوى منظمات القارة الافريقية، وذلك نظرا لحجم التناقضات السياسية وحجم الصعوبات الاقتصادية التي طرات عليها منذ بداية التسعينيات، فمصر الناصرية إضافة الى الجزائر وليبيا، كانت من بين الدول في شمال افريقيا والتي كان لها دور في تعزيز وتوجيه التعاون الافريقي وحل أزمات الدول الافريقية المعقدة، ومن بين ذلك دور مصر في اتفاقيات الايجاد، وحرصها على علاقات متينة مع دول نهر النيل، لكن التحدي الاثيوبي المدعوم إسرائيليا واميركيا، والذي واجه مصر ببناء سدود على مصب النيل، يهدد على المستوى القريب والمتوسط، سيطرة مصر على النيل، ويهدد أمنها المائي في الصميم. ورغم الدور الذي لعبته الجزائر في الوساطة الدبلوماسية لحل العديد من أزمات وصراعات القارة، خلال حقبة السبعنيات والثمانينات من القرن الماضي، ودورها في حل مشكلة النيجر والمالي ومع حركات التمرد التارقية. لكنها في المقابل، ونظرا لججم التدخل الأجنبي في دول الساحل، والذي تتصدره الولايات المتحدة وفرنسا تحت ذريعة محاربة الإرهاب. جعل الجزائر تواجه بيئة أمنية معقدة وجدية، لم تعهد التعامل معها من قبل، وزاد من تعقيد الوضعية، تداعيات الربيع العربي، الذي أدى الى تحول ليبيا إلى ساحة صراع مسلح وانقسام بين الشرق الليبي والغرب الليبي، ومصدرا للتهديدات الأمنية والحركات الإرهابية التي أصبحت تجد المزيد من التوسع والنشاط عبر الصحراء الكبرى ودول الساحل.
يعتبر تأليف هذا الكتاب، فرصة لالقاء الضوء على قضايا بلدان القارة الافريقية، والمشاكل التي تعاني منها، والفرص التي يمكن أن تستغلها للخروج من المعضلات الراهنة والتي لا تزال تعاني منها الكثير من دول القارة، والتي أصبحت بمثابة مصير شبه حتمي، لمجتمعات القارة الافريقية. حيث يمكن أن نطلق على القارة الافريقية في عصر الألفية الثالثة المتسمة بالعولمة، بقارة الفرص المفتوحة، والقارة التي تموج بالتحولات الكبيرة والعميقة، وذلك نظرا للأحداث المتسارعة التي تشهدها بلدان القارة، ودخول لاعبين جدد من القوى الإقليمية الطامحة في إزاحة نفوذ القوى الأوروبية النافذة في القارة الافريقية مثل فرنسا وبريطانيا، والولايات المتحدة الأميركية.

البروفيسور بوحنية قوي -جامعي جزائري

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: