الموازنة والحوار هما الحل يكتبها الأستاذ: بن علي محمد الصالح

 الأكيد أن لكل خلاف قواسم مشتركة بين طرفيه، تضمن الحل حين يجسد هذين الطرفين التنازلات التي تضمن الحد الأدنى من التوافق، لتحقيق مصلحة عليا أولا، ثم حفظ ماء الوجه والمخرج المشرف الحافظ لكرامة الجميع ثانيا، خصوصا إذا تعلق الأمر بخلاف بين طرفي جماعة ما يجمعها أكثر مما يفرقها.

وقد خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم درسا بليغا في الموازنة والحوار والتنازل من أجل المصالح العامة والجوهرية في “صلح الحديبية” حين همّ في السنة السادسة للهجرة أن يعتمر، فمنعته قريش وأرسلوا إليه “سهيل بن عمرو” خطيب قريش وأحد أشرافهم، وهو من قاتل مع قريش في غزوة بدر، للاتفاق والتفاوض فلم يرفضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو العدو في ذاك الزمن، وأكثر من ذلك أنه قبِل بحذف البسملة من وثيقة الصلح، وكُتب بدلها “باسمك اللهم”، وحذف وصف الرسالة الملازم لاسمه الكريم “محمد رسول الله”، ويكتفي باسم “محمد بن عبد الله”، ونظرته إلى الهدف الأسمى من وراء الهدنة؛ وهو توفير مزيد من الوقت لنشر الدعوة، والإعداد للمواعيد الحاسمة، ونتيجة ذلك مكنّه الله ثم حنكته بدخول مكة فاتحا منتصرا، وأن يمنح الآمان لمفاوضه في “صلح الحديبية”، ويسلم المفاوض “سهيل بن عمرو” ويخرج مع المسلمين في أول غزوة بعد فتح مكة وهي غزوة “حنين”.

ففي إدارة الصراعات والخلافات لا يوجد ما هو ثابت، يختلف الموقف باختلاف المعطيات المحيطة، وباختلاف الزمن والتحولات التكتيكية المرافقة، وأهم من ذلك كله في سؤال جوهري: أين تكمن المصلحة؟ ونعني بذلك المصلحة العليا للجماعة، لتغلّب المصلحة وِفق منهج الموازنة الذي أقرّه العلماء، والمتمثل في:

ـ تُقدم المصلحة المتيقنة على المصلحة المظنونة أو الموهومة.

ـ تُقدم المصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة.

ـ تُقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.

ـ تُقدم مصلحة الكثرة على مصلحة القِلَّة.

ـ تُقدم المصلحة الدائمة على المصلحة العارضة أو المنقطعة.

ـ تُقدم المصلحة الجوهرية والأساسية على المصلحة الشكلية والهامشية.

ـ تُقدم المصلحة المستقبلية القوية على المصلحة الآنية الضعيفة.

ومن البديهي ومهما احتدم الخلاف والصراع وتمسك كل طرف بمواقفه، دون مناقشة صواب المواقف أو خطأها عند الطرفين، فإن الزمن كفيل بالرجوع إلى الحوار كحل وحيد وأوحد للخروج من حالة التصلب والانسداد، والداهية الحاذق من لا يصل إلى الحوار في لحظات ضعفه، بل يسابق الزمن ليوازن ويرجح لتحقيق المصلحة، وهو يملك أدوات إدارة الحوار، وهو ندّ لمحاوره.

وإن كان الحوار يجسد الحل، فإنه لا يمنح للمحاور كل ما يطلب ويتمنى، لكن الموازنة لترجيح ما يصلح للجميع، يجعل العقلاء يقبلون بالجزء وهم في طريق الوصول إلى الكل، وقد يغيب الجزء والكل حين تغيب التنازلات الواجب على جميع الأطراف تقديمها، لأن ذلك يحتاج إلى تضحية ومسؤولية وصبر لا يستطيعها إلا عقلاء وحكماء الناس.

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: