“صرخة الرّفض ” الروائي و الكاتب الجزائري مختار سعيدي مشهد الواقعية في الكتابة

صدر للروائي و الكاتب الجزائري مختار سعيدي آخر أعماله وهو من الّذين لمّا يكتبون يشكّلون أدب المذاقات الفريدة مغروس في بيئته مجيد كتاباتها خاطرة وقصّة ورواية…وهو منجز كتابيّ يمثل الواقعية في الكتابة، لا كتحقق نصيّ فقط بل كمرجع وإحالة . وقد جاءت روايته راصدة لتحولاّت وتغيّرات إنسانيّة وتقلبّات ورؤى عاطفيّة روحيّة تواصليّة في حياة البشر من خلال أسرة جزائريّة تتشابك وتتباين وتتباعد وتتضارب في نسيج علاقاتها الإجتماعية .

رواية تحمل أزمنة مختلفة متباعدة وأمكنة ذات جغرافيات وأجواء متقلّبة محكومة بثقافات مختلفة، تسيّرها شخصيّات متفاوتة في الفكر والثّقافة والتّكوين والمخزون والترسّبات الإجتماعية والإيديولوجيّة . جاءت بلغة مختار المتعالية الصّعبة المركّبة الثّريّة ولكن من خلال سياق جماليّ سرديّ وهو ما جعلها متماسكة البناء والتّراكيب تحشد في كلّ حلقة من حلقاتها علاقة الشّخصيّات ببعضهم فيها وترصد كلّ التّحولات الّتي تعتري حياتهم وترسم مصائرهم ودروبهم .فيبدو الواقع أكثر فداحة وغلوّا في الإنحراف والفساد الإجتماعي والسياسي والإقتصادي .. تنقلنا بين حكايات تفضح سلبيات وتداعي القيّم من خلال الشّخصيات المعتمدة ونقل سماتهم المخصوصة.فالإشكاليات المطروحة في هذا العمل ,لا تستهدف إيصال أخبار ووقائع وواقع بقدر ما هي تؤسّس لأفق تقبّل مغاير وخلق فضاء من الأسئلة. فهناك مضامين يمكن استجلاءها من المحتوى الحكائي تتكفّل برصد والتقاط واقع بمظاهره في مدى بديع اللغة به أدبية النّص وقدرة على الإطّراد السّرديّ الممتع بما يخدم الرواية وتماسك أجزائها . وما طرحته هذه الرواية من إشكالات تحيل على وضعيات معقّدة تتبدّي فيها التّفاصيل بدقّة لا يمكن لغير فعل القراءة الإفصاح عن معناها ,فبين امرأة في غاية الوقار والحكمة وامرأة تجسّد الشّهوة الصّارخة يجيء هذا الفصل من الرّواية صرخة الرّفض غير خاف في تأويلاته وفي دلالاته المدينة لواقع قيميّ متدهور وهل تستطيع المرأة أن تنهض بعد خطيئة وإثم لتجد مكانا أرحب في حياتها . امرأة ضعيفة ازاء الرّجل.صيد مغرور. كما تتخذّ رواية صرخة الرّفض أشكالا متنوّعة من تقاليد الأسرة الجزائريّة إلى الأحاديث المتبادلة وقت السّمر أو وقت الأكل حول المائدة أو في رحاب البيت ترافقها حقائق متنوّعة وبراهين مقنّعة يحملها أبطالها في ذواتهم وأنفسهم . فالأسرة الّتي تدور حولها أحداث الرّواية هي أسرة تمثّل جزءا خادعا من حقيقتها .جزءا منعزلا تماما يمكن دراسته عن كثب وهذا ما يجعلنا نؤكد أنّ هذه الرّواية تتأثّر بالتّحليل النّفسي بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى ولعلّ مرحلة نموّ جنين غير شرعيّ في بطن أمّ آثمة ضحيّة إهمال من أسرتها بدءا بأب غليظ قاس متجبّر في معاملة أبنائه إلى أمّ متفرنسة غير آبهة بحسن تربية أبناء وبنت…يلعب دورا هامّا في تركيبة هذا الجنين الذي سيصبح فردا من أفراد المجتمع، وسيلعب دورا متكافئا وملائما مع تنشئته التي تلقّاها … فتطبيق قراءة واعية تجعل الأحداث في هذه الرّواية تبرّر وتوضّح نفسها بنفسها (حضور المرأة الغربية …العلاقة الجنسية …امتلاك الجسد الآخر…كأداة لدرء الحرمان …وغيرها من القضايا المطروحة) وما نلاحظه أيضا ترف اللّغة والاسلوب والتّأليف الذي غرق فيه الكاتب ومختار يتمتّع بقوّة بلاغية رهيبة يسرف في التّراكيب الشّعريّة والتّراكيب الموسيقيّة حتّى كأنّها الهدف والغاية من الرّواية.

من الطرق الحديثة في هذا الجنس

 وهي طريقة معتمدة في هذا الجنس الأدبيّ متاحة ومسموح بها وفقا لطريقة الكاتب لكنّها تبلبل فكر وذهن القارئ ازاء القدرة على استيعاب أحداثه وهو أيضا ما يمنح كاتب الرّواية نفوذا على روايته فلا يمنحها هي أن تروي نفسها وأن تكون أداة له يولّدها ويخرجها كمادة ترغب هي في الخروج وفقا لترتيب ومسك محكم منه… ومن ناحية أخرى وفي هذا السياق يرى بعض الدّارسين والنّاقدين والباحثين في هذا الجنس الأدبي أنّ الروائي عادة ما يمضي شهورا وهو يخطّط لروايته ويعدّ لكتابته ولدراسة نوازعه في كتابتها وهذا التأهب الواعي لا بدّ أن يسبق كتابة الرّواية لتعلن الرّواية نفسها في ذهن كاتبها … وقد توفّرت لي معطيات من الكاتب نفسه حول نشأة فكرة روايته … وهي اعداد صديق له رسالة في علم نفس الطّفل الّذي تبدأ تشكّل ملامح شخصيته منذ تكوّنه مضغة ونطفة بأحشاء أمّه . ومن هذا المنطلق يمكن أن نؤكّد أن الأبطال في هذه الرّواية قد اعتمدهم الراوي في تحليل المجتمع مجسّما حداثة البعد النفسي السيكولوجيّ الّذي يحدّد سلوك الأفراد ويرسم شخصياتهم …كما أنّ الإحساس بالخطيئة والذّنب لدى أبرز شخصيات الرّوايةهي نظرية “فرويدية” في التحليل النفسي الذي عمد الكاتب اليه متغلغلا في أغوارالنّفوس كاشفا عن دقيق أحاسيس. ويمكن القول رواية ” صرخة الرفض ” قد قدّمت للرواية العربية المعاصرة نموذجا من المثقفين العرب الّذين بصموا هذا الجنس الأدبي بمقاربة للواقع من منظور مختلف وتناولته بأدوات فنيّة راقية. وهي تصنّف ضمن الأعمال التي تنآى عن الشكلنة بدعوى التجريب الروائي… قد لا أجد كلاما أو خاتمة تليق بتقديم هذا العمل الروائي فتقديمي لها لا يخرج عن البحث عن أفق من آفاق التلقي والتفاعل الشخصيّ البحت. وتبقى القراءات دائما ناقصة باحثة عن قراءات تكملها

                                                                                          قراءة : الأستاذة منوبية الغضباني

عن sadok

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: