العقرب المسالمة بقلم : الأستاذ إبراهيم بن ساسي

 

الإهــداء إلى:

 روح أختنا عائشة عويسات رحمها الله وإلى كلّ من لسعته عقرب مسالمة فأردته قتيـــلا

    بعد أن استأنت عاتكة بمراجعة أوراق بحث لها في إنتظار موسمها الجامعي الجديد ، إستوت على سريرها إلى جانب أختها عزيزة وقد داعبت خيالها متسائلة : كيف تكون بداية هذا الموسم مع طاقم إداري جديد..؟ وهل سيحالفها التوفيق بنجاح الغالبية العظمى من طلبتها كما حدث العام الماضي ؟ ومن تراها ترافقها إلى جامعة الزرقاء الأردنية نهاية هذا العام إن شاء الله وما هي الهدايا التي ستعطر بها قبلات الشوق وفرحة لقاء والديها وذويها عند العودة ؟, ومن ذاك الفارس الذي سيشاطرها الحياة ويبني معها بيت السّعادة والهناء ؟.

ومع نهاية تساؤلاتها أحست براحة وهدوء ، وهي المؤمنة بقضاء الله وقدره ، وقد إنشغلت بترانيم شكر وسبُحات فكر ولهجات ذكر، لتتلو بعد ذلك سورة الملك الّتي ما فتئت تذكر بها زميلاتها وتدعوهن لتلاوتها قبل النوم ، كيف لا وهي المنجية والمانعة التي تمنع قارئها من عذاب القبر.. ! , كما ورد في الأثر ثمّ استحضرت المأثور من أدعيّة النّوم ” باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصّالحين ” , لتستسلم بعد هنيهة لعالم الأحلام ، وقبيل الفجر هزّ كيان البيت الهادئ صرخة مروّعة ، فهرع الجميع لغرفة الفتاتين ، وإذا بعاتكة على الأرض تتلوّى ويدها على عنقها ، فسارعت أمّها إلى الوسادة تمسحها بظاهر كفّها أمّا أحمد فقام بتحريك السّرير وزعزعته لتصيح أخته عزيزة : عقرب … عقرب هاهيّ قرب الفراش ! فتشجّع أحمد وداسها بقدم حذائه بينما أحضرت أمّها قطعة ثلج وضمّدت بها مكان اللّدغ ، فهدأت الفتاة ، وهنا بدأ النّقاش وكثٌرت التّساؤلات : هل يمكن استعمال الحجر لامتصاص السّمّ كما يدّعي البعض ؟ وهل نسارع بفصد مكان اللّدغ لخروج السّمّ مع الدّم ؟ أم نكتفي بنقل المصابة للمستوصف ؟ وهل من ضمانات لهذا المصل الّذي غالبا ما يكون قاتلا ؟ .

وبالرّغم من هذه التّخوّفات فقد وجدت الفتاة نفسها في مصلحة التّسمّم العقربي ، وعلى الفور قام الممرّض بالإجراءات اللّازمة وحقن المصابة بالمصل المضادّ للسّمّ ، لقد كانت علامات القلق والحيرة باديّة على الجميع والعائلة تحيط بعاتكة ،حتطة الأهداب بالعيون بينما ظلّت أختها تجهش بالبكاء مستحضرة آخر ساعة معها قبل النّوم وهي الّتي سامرتها قائلة : هل فكّرت في هديّتك عزيزتي ؟ أخبريني ، أما أحمد فاقترب من أخته ووضع يمناه على ناصيّتها وأخذ يتمتم بأدعيّة مسموعة : [ باسم الله ربّ النّاس اذهب البأس أشف أنت الشّافي ،لا شفاء إلاّ شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما ] وبعد قرابة ساعة من الوقوف التمس الممرّض مغادرة القاعة محافظة على صحّة المريضة بينما بقي أحمد ملتزما أخته ، وقد ظلّ الممرّض طوال اللّيل متردّدا على عاتكة ومن حين لآخر يحاول استدراج أحمد في حديث ينسيه همّ المريضة ، وكأنّ أحمد أدرك مقصده فسأله ما هو هذا المصل ؟ وما مكوّناته ؟ فأجاب الممرّض من غير تفكير : هذا دواء للسّمّ ، وهو مستحضر كيماوي كما تعلم ، فابتسم أحمد غاضبا وقال : بل قُل هو سمّ قد يكون أكثر فتكا من سمّ العقرب نفسها أتعلم أنّ مكتشفه الفرنسي جارسون سنة 1938 بمعهد باستور في الجزائر العاصمة ، ومنذ ذلك التّاريخ لم يُكتشف علاج آخر يا سيّدي ! وخلاصة استحضاره تتمّ بتقطير السّمّ وحققنه في أكتاف الخيول والبغال ثمّ يسحب ممزوجا بدمائها ويوضع في هذه القارورات ليحقن به المصاب وهنا تكمن الخطورة ، ذلك أنّه في بعض الأحيان يكونا مستحضرا من أنواع عقارب خطيرة كالأندروكتونيس والبيتيس المتواجدتين في منطقة مثلّث الموت العقربي { بوسعادة ـــ بسكرة ــــ ورقلة } وأعرف الكثيرين ممن لقوا حتفهم بعد حقن هذا المصل ، فاندهش الممرّض لما سمع وقال : لا بأس غدا أو بعد غد سيلتحق الطّبيب المختصّ بالأمراض القلبيّة إن شاء الله ، هل معنى هذا أنّ السّمّ قد وصل إلى القلب ؟ ــ يقول أحمد ــ يستدرك الممرّض مراوغا : نأمل أن يلتحق بنا الطّبيب غدا ، الاتصالات به جاريّة ، لكنّه بعيد  يتنهّد أحمد ويطلق زفرات ثم يستغفر الله .

مرّت أربعة أيّام كاملة والمريضة في غيبوبة تصارع الموت والموتُ يصارعها ، وفي اليوم الخامس دخل الطّبيب إلى غرفة عاتكة متثاقلا وبعد فحوصات القلب أمر بفحوصات وكشوفات أُخرى للأعصاب خارج المستشفى بعد أن تأكّد أن آلة الكشف [ السكانير ] الخاصّة بالمستشفى معطّلة ، وقبل أن يُسحب سرير المريضة اتّجاه الباب كانت عاتكة قد أسلمت الرّوح لبارئها ، وبسرعة البرق انتشر نبأ الوفاة ونزل على عائلتها نزول الصّاعقة فعمّ الحزن أهل بلدتها واستشاط الكثيرون غصبا فمن ساخط على إدارة المستشفى وسوء تعاملها ، ومن محمّل المسؤوليّة للمراقب الطّبيّ وفريق الأطبّاء وتقاعسهم ، ومن مشكّك في هذا المصل الّذي قد تكون صلاحيّته منتهيّة ومن صابر محتسب راض بقضاء الله وقدره ، أمّا زملاؤها وطلبتها فقد آلمتهم وافاتها وتنقّلوا إلى بيتها أفرادا وجماعات ، وأغمي على كثير من زميلاتها ، بينما فقدت إحدى الأستاذات صوابها وظلّت يومين صارخة : لا ، لن أصدّقكم فأختي عاتكة ما تزال حيّة ، ها هيّ أمامي …أنظروا .!!

وتناولت وسائل الإعلام المحليّة والدّوليّة خبر الوفاة بين مُهوّل ومُهوّن وملأت التّغريدات شبكات التّواصل الاجتماعي ، وفي المقبرة وقف بعض العارفين لكلمات تأبينيّة فاستحضر أحدهم بعض خصالها الطّيّبة وتفانيها في خدمتها وحرصها على نجاح طلبتها ، بينما استنكر آخر واقع القطاع الصّحي وخدماته ، ودور أجهزة المراقبة للقضاء على الفساد الّذي أتى على الأخضر واليابس ، وتساءل عن تأخّر إنشاء المستشفى الجامعي المُبرمج في ورقلة والّذي من شأنه أن يفتح آفاقا للبحوث والدراسات في مجال الصّحة والوقاية ، كما طالب بإعتماد جوائز وطنية ودولية للتجارب وإكشافات الأدويّة والأمصال وسبل الوقاية من الأمراض والسموم القاتلة ، وفي بيت العزاء كان الجو مليئا بالكآبة والحزن خصوصا عند النّساء .

ففي اليوم الثالث جلست زميلات لها مع قريباتها مستحضرات لبعض ذكرياتها فقالت إحداهن يا سبحان الله منذ أسبوعين رأيتها في المنام تقف أمامي وقد أخذت أصرخ في وجهها وهي صامتة لم تتكلم ببنت شفة ، وحين هدأت ابتسمت في وجهي وقالت : لماذا الصّراخ يا أختاه ؟ هل تأكّدت من هذه الكلمة الّتي وصلتك ؟ أين عقلك ؟ أنت قريبتي ولا أحد يعرفني أكثر منك ، ثم أدارت ظهرها عن وجهي وهي تقول : أنا مسالمة … أنا مسالمة … وهنا انتهى حلمي ، ومنذ ذلك اليوم وأنا أترصّد فرصة لقائها لأقص عليها أحداث هذا الحلم ـــ ولم تتمالك هذه الفتاة وقد خنقها البكاء ، فقالت الأستاذة سميّة رحمك الله يا عاتكة الكلّ يشهد أنّك مسالمة ، إلاّ ذاك الوزير الّذي اعتبر العقرب حيوانا مسالما ، ولا يمكن للعقرب أن يعتديّ على أحد ما لم يمسّه الأذى ! فقاطعتها أخرى قائلة : وهل نعتبر ذاك الرّجل وزيرا ؟ فقد أضحكني وأسرني حين إعتبر العقرب حيوانا أليفا ومسالما ، فعادت الأستاذة سليمة للحديث ساخرة : لا عجب فقد نسمع بهيئة لحماية حقوق العقارب.. ! وشاع تصريح الوزير، وإستهجنته غالبية الشعب الجزائري خصوصا أنّه جاء بلغة فولتير معبرا بلسان ثلة طالها الفسخ والمسخ فباعت ذممها حتّى قال أحد أساتذة جامعة ورقلة: لا خوف من العقارب بعد اليوم فهي مسالمة ، بدليل أن ثلّة من الوزراء ومحبّي السياحة في الجنوب الجزائري سيقضون عطلهم الصّيفيّة في ورقلة وعلى ضفاف جبل أينكر بتمنراست ، حيث تجارب فرنسا النّوويّة القاتلة فالحيوان الوحيد الّذي لا يؤثّر عليه الإشعاع النّووي هو العقرب المسالمة.. ! ، حسب وصف سيد العارفين وهؤلاء مثلها مسالمون ، فقد حباهم الله بعضا من حسنها وجمالها ولطفها وسلمها وحلمها وحتّى بعض ألوانها البرّاقة السّاحرة.

لا تركنّــن إلى ذي منظر حســــــــــن فربّ رائعــــــة قد ساء مخبرها
مـا كلّ أصفر دينــار لصفرتـــــــــه صفــر العقارب أرداها وأنكرها.

وفي الخارج جلس بعض الرّجال ومعهم بعض المعزّين في سهرة ليليّة بعد العشاء حيث أشعّة النّور متلألئة بين المصابيح ، و الحشرات ترفرف بأجنحتها البرّاقة حولها ، وفجأة سقطت أحداها ، فحطّت بقيّة الحشرات حولها ثمّ حملتها مرفرفة بها بعيدا ، وكان أحد طلبة الدّكتورة عاتكة يتأمّل المشهد فقال لمن حوله : لقد رأيت اللّحظة منظرا جميلا ، وبعد أن قصّ عليهم مشاهده قال سنظل، حول أستاذتنا الدّكتورة عاتكة نرعى عهدها ، ونحمل مشعلها ونذكر مآثرها هكذا هم العظماء ، كما قال شيخنا البشير الإبراهيمي رحمه الله : “يموت العظماء وتبقى أعمالهم قوّة تتحرّك ، ورابطة تجمع ، ونور يهدي وعطر ينعش” وسنظل أوفياء لهذا الميراث فنحن صدقاتها الجارية بعدها إن شاء الله، وداعا عاتكة ….. وإلى اللّقاء بك في جنّات النّعيم

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: