في جو جنائزي مهيب شهده قصر المرابطين بمقاطعة عين صالح-الجزائر تشييع قطبا من أقطابها علما وزهدا وجهادا العلامة بن مالك القبلاوي

   الدكتور محمد ايدير بن مشنان: “الفقيد حمل رسالة العلم قرآنا وعقيدة وفقها ، علاوة على دوره كمجاهد من أجل تحرير وطنه فكريا وتنويريا ومساهما في تشييده بعد الاستقلال”.

الشيخ مولاي عبد الله الطاهري: الفقيد يعد شيخا وقطبا وعالما ترك وراءه بصمة كبيرة لا يعرف خباياها الى الله، فهو إمام مجدد وعالم المربي، ومجاهد ثابت بمواقفه الصادقة وخطه الواضح الذي لم يزحزحه الدهر.

  نجل الفقيد أحمد بن مالك: الوالد موسوعة في العلم وشخصية فذة ومحنكة أفنى شبابه وخريف عمره في خدمة وطنه، فالجزائر خسرت قامة من قاماتها العلمية وبركة من بركاتها، ورجلا من خيرة رجالها اتسم بعمق التفكير والبصيرة والهدوء والتواضع والصبر، ومازالنا على العهد .

  تم مساء أمس الثلاثاء بمصلى حفرة الركب بقصر المرابطين بمدينة عين صالح تشييع جنازة الفقيد، الفقيه العلامة سيدي محمد بن مالك القبلاوي، شيخ مدينة عين صالح وعلما من أعلام منطقة التديكلت بل والجزائر قاطبة، الذي وافته المنية صباح الاثنين الفارط عن عمر ناهز 97 سنة.

وقد جرى تشييع الجنازة بحضور السلطات المدنية والعسكرية لولاية تمنراست، والمقاطعة الادارية عين صالح، يتقدمهم الدكتور محمد ايدير بن مشنان ممثل وزير الشؤون الدينية والأوقاف والسيد دومي جلالي والي ولاية تمنراست والوالي المنتدب لمقاطعة عين صالح، والسيد بن مالك المختار الوالي المنتدب للمقاطعة الإدارية بئر توتة بالجزائر العاصمة، إضافة للسادة رؤساء وممثلي الشعب في المجالس النيابية المختلفة، فضلا عن مدراء وإداريي قطاع الشؤون الدينية من مديريات ومراكز ومدارس قرآنية، وجموع العلماء والمشايخ والاعيان والطلبة من ولايات مختلفة من تراب الجمهورية الجزائرية، كما حضر التشييع أيضا شخصيات سياسية وتاريخية الى جانب عدد من أصدقاء وأقارب المرحوم ورفاق دربه، أين تم الإشادة بمناقب الفقيد الذي جمع بين النضال وتعليم القرآن من جعة والتثقيف وحماية الناشئة بصيانة هويتهم ومرجعتيهم الدينية الوطنية ومذهبهم المالكي من جهة أخرى.

وخلال الكلمة التأبينية تطرق الدكتور محمد ايدير بن مشنان ممثل وزير الشؤون الدينية والاوقاف، إلى جوانب من شخصية الفقيد الذي” حمل رسالة العلم وتدريس القرآن الكريم والعقيدة وفقه العبادات وفقه المعاملات وعلم الميراث إلى جانب علم النحو والصرف، علاوة على دوره كمجاهد من أجل تحرير وطنه فكريا وتنويريا ومساهما في تشييده بعد الاستقلال”.

في حين نوه الشيخ سيدي مولاي عبد الله الطاهري، شيخ المدرسة القرآنية والزاوية الطاهرية بسالي ولاية أدرار، أن الفقيد يعد شيخا وقطبا وعالما ترك وراءه بصمة كبيرة لا يعرف خباياها الى الله، وعلم من أعلام الأمة الكبار الذين بذلوا حياتهم في التربية والعلم والدعوة بالتي هي أحسن، فهو الإمام المجدد والعالم المربي، والمجاهد الثابت بمواقفه الصادقة وخطه الواضح الذي لم يزحزحه الدهر.

وبدوره تطرق نجل الفقيد الأستاذ أحمد بن مالك، مدير الشؤون الدينية والاوقاف بولاية تمنراست وعضو المجلس الإسلامي الأعلى، إلى بعض المحطات الروحية التي عاشها رفقة والده، وباقي أفراد أسرته وجموع الطلبة الذين تخرجوا من زاويته، حيث كان يضيف الأستاذ أحمد موسوعة في العلم والفقه والمعاملات، وشخصية فذة ومحنكة أفنى شبابه وخريف عمره في خدمة وطنه، معتبرا أن الجزائر خسرت في الفقيد قامة من قاماتها العلمية وبركة من بركاتها ، ورجلا من خيرة رجالها اتسم بعمق التفكير والبصيرة إضافة  لكونه يتميز بالهدوء والتواضع والصبر، وعليه ختم الأستاذ أحمد بن مالك نتعهد على مواصلة مسيرة السيد الوالد وعلماء الجزائر الافذاذ الأخيار في التفاني والإخلاص لخدمة وطننا المفدى وصيانة مكونات مرجعيته الدينية ، شاكرا من حضر مراسيم التشييع كل حسب مكانته العلمية والإدارية وأيضا من راسلنا معزيا من الجزائر وخارجها .

وهكذا شهدت جنازة الفقيد حضور كبير يليق إلا بالكبار الافذاذ أمثال الشيخ محمد بن مالك القبلاوي وغيره من خيرة ما أنجبت الجزائر علما وزهدا وفكرا وجهادا، كما شهدت لحظة المراسيم أجواء رائعة روعة الموقف الجلل، متمثل في جو غائم بارد لم تشهده المقاطعة منذ مدة، وآخرتها نزول أمطار غزيرة إستبشر من حضر بنزولها خير على المنطقة.

  الراحل محمد بن محمد المختار بن سيدي محمد بن مالك ، من مواليد 1921 ببلدية أقبلي (60 كلم عن أولف ولاية أدرار ) ،عاش يتيم الاب منذ صغره فتكفلت والدته بتربيته فأحسنت التربية والسلوك والاستثمار في ما أنشأت ، والشاهد كونه ينحدر من عائلة معروفة بالعلم ، أنجبت العديد من العلماء الذين تفرقوا في ربوع الصحراء ، وحتى خارج الوطن ناشرين لعلوم الدين وهاهي مساجد ومعاهد وجامعات الوطن والامصار العربية والاسلامية فضلا عن الادارة الجزائرية شاهدة على ما نقول، لكونها تزخر بخيرة أبناء وأحفاد وأقارب وتلاميذ هاته العائلة العريقة عراقة جنوبنا الكبير .

الراحل وككل أبناء جيله بدأ بتعلم القرآن الكريم في سن مبكرة بمسقط رأسه، ببلدية أقبلي على يد الشيخ الطالب محمد بن عبد الرحمان بن مكي بلعالم، فحفظ القرآن الكريم وأخذ عنه أيضا مبادئ الفقه، كما أخذ علم التجويد عن خاله الشيخ محمد عمار بابا بن مالك، وفي سنة 1947 إنتقل للتعلم بالمدرسة الطاهرية ببلدية سالي دائرة رقان ولاية أدرار، فتعلم بها الفقه وقواعد اللغة العربية ومبادئ علوم الشريعة الإسلامية، على يد شيخها الشيخ مولاي أحمد الطاهري الإدريسي، حيث دام تعلمه بها أكثر من سبع سنوات، ومنها تحصل على الإجازات حيث أجازه شيخه في مختلف العلوم الشرعية واللغوية ، كما ساهم رحمه الله في نشر المذهب المالكي عن طريق تأسيس مدرسة فقهية ليلية بعين صالـح ، وكان ذلك علـى إثر احـدي الــزيارات العلمية التي كان يقوم بها الشيخ مولاي أحمد الطــاهري الإدريسـي لهـذه المدينة مصحوبا ببعض تلاميذه، ففي هذه الزيارة طلب بعض أعـيان عين صالح من الشيخ مولاي أحمد أن يبقي معهم أحد تلاميذه ليعلمهم وأبناءهم ما هم في حاجة إليه من أمـــور الدين الإســـــلامي فوقــــع اختيار الشيخ على تلميذه المترجم له الشيخ مَحمد بن مالك، لكــن هذا الأخيــــر عندما علـــم أن شيخه يريـــد أن ينصبه للتدريس بهذه المــدينة أعرب لشيخـــه عن رغبته في ملازمتــــه وعـــدم مفارقته ليستزيد من علمه لحاجته إلـــى ذلك، إلا أن الشيخ رحمه الله طمأنـه بأن ما يصبو إليه ويرغب فيـه من العلم سيتحـــــقق له وهو يدرِّس في عين صالح.

وما كان لفقيدنا إلا فتح أبواب هاته المدرسة  في أواخر سنة 1953 ، بدعاء وبركة شيخه رحمه الله ورحم كل علماء الوطن ، فكانت منارة علمية تربوية متنوعة شملت العقيدة وفقه العبادات وفقه المعاملات وعلم الميراث إلى جانب علم النحو والصرف، من خلال دراسة المتون كالعبقري والمرشد المعين وأسهل المسالك والرحبية ، وأيضا المصنفات كمختصر خليل ورسالة ابن أبي زيد القيرواني أما علم القواعد فيُدرس من خلال الاجرومية والألفية والملحة ، وكان رحمه الله يفسر لتلاميذه قصيدتي البردة والهمزية اللتين كان يتم تفسيرهما مع إعراب أبيات كل منهما تدريبا للتلاميذ والطلبة على الاعراب.

وكغيره من علماء الجزائر المخلصين فقد تعرض فقيدنا لمضايقات شديدة من قبل السلطات الاستعمارية في عين صالح خاصة خلال ثورة التحرير، حينها كان عداء المستعمر للمدرسة وشيخها غير خفي شأن جميع المدارس العربية الإسلامية في أنحاء القطر الجزائري ، ومما ضاعف عداء المستعمر لهذا الصرح والقائم عليه إفتتاح المدرسة قبيل إندلاع ثورة أول نوفمبر بسنة أو أقل مما أدى إلى وضعها وشيخها تحت الرقابة المستمرة لسلطة الاستعمار ، التي كانت (السلطة الاستعمارية طبعا) تتوجس شرا من مثل هذه المدارس، لما يكون قد بلغها عنها أنها تعمل ضد الوجود الفرنسي بالجزائر ، على خلفية ما تدرسه من مواضيع من بينها باب الجهاد الذي كان يدرسه الشيخ من خلال المتون والمصنفات وهو ما لا يتوافق وأهداف وطموح الاستعمار ، وهو ما جعل الإدارة الفرنسية شديدة العداء لمدرسة الشيخ ، ورغم هاته الصعاب إلا أنه إستطاع رحمه الله أن يكون من  الثلة التي حملت مشعل العلم ورفعت شعار نشرالمعرفة في ربوع منطقة عين صالح ، كما تخرج من مدرسته وعلى يديه عدد لا يستهان به من الأئمة والوعاظ ومدرسي القرآن الكريم ، الذين وظف البعض منهم أئمة في المساجد مثل الشيخ محمد الزاوي والشيخ محمد عبد الله لمغربي رحمهما الله ،والشيخ الطالب عبد العزيز والطالب أحمد غرمه وناجمي محمد صويلحي والشيخ أحمد ناصر والشيخ الطالب عبد الله عبد الله .. وغيرهم ، كما وظف آخرون في مناصب معلمي القران الكريم مثل الطالب أحمد بابه والطالب محمد الغول والطالب أحمد وانس والطالب قدور لمغربي …وغيرهم ، كما توجه بعض تلاميذ الشيخ إلى تأطير المدارس التربوية الابتدائية والمتوسط والثانوية ، كما ترقى بعض الطلبة الى مناصب سامية في الدولة الجزائرية ، ومنهم الاطباء والمهندسين والجامعيين والاطارات بالادارة العمومية ،على غرار أبنه البار الاستاذ أحمد بن مالك أحد إطارات وزارة الشؤون الدينية والاوقاف ومديرها قطاعها بولاية تنمراست وعضوا المجلس الاسلامي الاعلى ، وهذا ليس بغريب عن تكوين الزوايا والمدارس القرآنية الخالدة.

 عماره بن عبد الله      

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: