العلاج بالثقافة أو اليقظة الصحية __بقلم رجل الاستشراف بشير مصيطفى

صناعة الغد

اختتمت أمس الأول الثلاثاء بمدينة سطيف أعمال الندوة العلمية التي نظمتها دار الثقافة هواري بومدين في موضوع ( الأدوار العلاجية للنشاطات الثقافية ) ورعاها مشكور السيد والي الولاية وشارك فيها مختصون في شؤون الطفل الى جانب جمعيات رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وفنانين وأكاديميين .

موضوع الندوة جيد وجديد في بلادنا ولو أن العلاج بالفن سبق وأن تناولته الأبحاث واستخدمته مؤسسات الاستشفاء في دول أوربية كثيرة ، وتبقى بلادنا في حاجة لاكتشاف رواق جديد في إدارة الظواهر المرضية للشباب والعائلات ولكن من رؤية الثقافة والحوار والابداع .

السمنة مرض يزحف

وقبل ندوة سطيف نظمت مبادرة صناعة الغد بالتعاون مع الجمعية الوطنية لأولياء التلاميذ  ندوة مماثلة بالعاصمة  ولكن في موضوع معالجة السمنة في الوسط المدرسي عن طريق التوعية بالحوار والتمثيل بحيث عرض متدخلون أساليب أكثر نجاعة في إقناع الأولياء بالنمط الغذائي السليم لأطفالهم باستخدام الرسم والمسرح والمحاكاة وهي أساليب جديدة ولكنها جد فعالة وتواجه الظواهر الاجتماعية المسيئة والأمراض المستعصية في مهدها أي قبل أن تتحول الى مرحلة العلاج الاستشفائي والذي يكلف غاليا . وقال متدخلون في ندوة العاصمة بأن السمنة في الوسط المدرسي تمس حاليا مليون تلميذ من إجمالي 8.5 مليون متمدرس ولكنها تهدد 6  مليون تلميذ آفاق 2030 إذا استمر السلوك الغذائي للأطفال على النحو الحالي .

وترتب الجزائر على رأس الشعوب الأكثر استهلاكا للأغذية المسببة للسمنة سنويا  ومنها الحبوب بحجم يصل الى 8 مليون طن  ، والحليب بحجم 5 مليار لتر ، والمشروبات بحجم 2.2 ترليون ( 2200 مليون )  لتر ومن السكر 1.6 مليون طن . أرقام كبيرة وهي السبب المباشر في أمراض مازالت تتطور ببلادنا مثل السرطانات التي  تمس حاليا نصف مليون مصاب والسكري الذي يعني 4 مليون مصاب ما يعني 10 بالمائة من عدد السكان .

وهكذا ، وأمام هذا المشهد المتطور عبر الزمن تنفق الحكومة على استيراد الغذاء 7.5 مليار دولار في آخر حصيلة سنوية وتنفق على علاج بعض الأمراض المتصلة بالغذاء مليون دينار لكل مريض سنويا .

أمراض العصر

وأمام أمراض العصر من جهة وأمراض السمنة من جهة ثانية تواجه العائلات الجزائرية مستقبلا غير مريح ما يستدعي يقظة صحية تؤول الى استحداث سبل أكثر نجاعة لاستباق الاشارات واستشراف صحة الجزائريين آفاق 2030 – 2050 . والطريق الى ذلك الاستثمار في قاعدة ( درهم وقاية خير من قنطار علاج ) أي توعية الجزائريين بالأنماط السليمة لممارسة الحياة ليس على سلم التفكير والسلوك وحدهما ولكن على صعيد الغذاء والتعاطي من الحالات الخاصة في المجتمع أيضا ومنها حالات التوحد التي تمس حاليا 50 ألف طفل على المستوى الوطني ثم حالات الانطواء والقلق والاعاقات المختلفة والتي تعني 4.5 مليون نسمة من مختلف الأعمار .

التدواي بالأعشاب لازال الأسلوب المفضل لأغلب العائلات في الجزائر وهو أسلوب مفيد في بعض الأمراض ، عرفه الصينيون منذ القدم ويدخل في تركيب الكثير من العلاجات الحديثة لكن أساليب التداوي  بالثقافة والحوار والمؤثرات النفسية لاتزال مجهولة على الرغم من نجاعتها ، والسبب يعود لمنظومة التفكير السائدة في بلادنا وقلة الهياكل التي على القطاعات الوزارية إطلاقها في هذا الاتجاه ولاسيما وزارات الصحة والتربية والثقافة والتضامن الوطني . ولابأس بخلية لليقظة الصحية متعددة القطاعات ضمن هياكل وزارة الصحة بالولايات وظيفتها الاحصاء الصحي المحلي وتحليل المعطيات وتطبيق الحلول المتطورة المبنية عى الثقافة والحوار والتوعية الجوار ولكن بأسلوب مشوق متطور وجاذب للعائلات.

حقيقة ، تختزن الثقافة في المخزون التاريخي للجزائريين فرصا لم تستغل كلها في إدارة مشكلات الصحة والمجتمع وكلنا يذكر كيف كانت الجدة تجمع الأحفاد حول موقد التدفئة التقليدي وتقص عليهم بأسلوب حواري مشوق حكايات ظاهرها القصة والأسطورة ولكن باطنها دروس في الحياة ، إنه نفسه أسلوب العلاج بالثقافة ولكن في سياقها الزمني البسيط.

د.بشير مصيطفى

وزير سابق

Messaitfa.bachir@gmail.com

عن amara

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: