النّقد ليس ارتكازاً على مدوّنة أدبية فحسب بل إشكالات وأسئلة يضجّ بها عقل المشتغل في مجال النّقد أو المهتمّ به

فاطمة نصير باحثة وناقدة وأستاذة جامعية جزائرية ,تشغل منصب نائب عميد كلية الآداب واللغات, حاصلة على شهادة ليسانس لغة وأدب عربي ، حاصلة على  الماجستير (النقد الأدبي) ،  حاصلة على شهادة الدكتوراه (النقد الأدبي)، لديها مخطوطات في الدراسات السردية، شاركت في العديد من الملتقيات والمهرجانات والأمسيات في داخل وخارج الجزائر ،التقينا بها فكان هذا الحوار معها.

*كيف ترين مستوى النّقد الأدبي في الجزائر بصورة  عامة؟

ـ فاطــمة نصـــــير: لتقييم  مستوى النّقد الأدبي في الجزائر،يجدر التنويه أنّ لذلك  أبعاداً كثيرة وعلاقة وطيدة بالحراك الأدبي ليس من حيث الإنتاج والكم فقط،بل من حيث التفعيل والإشهار الذي يساهم في تقديم الأعمال للقرّاء بكافّة أصنافهم،فإن كان ثمّة نقص في الفضاءات التي تعنى بالكتابة والكتّاب كالنوادي الأدبية والهيئات الثقافية،ومن جهة أخرى الملاحق الثقافية في الصحف والمجلاّت التي تكاد منعدمة وإن وجدت يكون فيها شبه احتكار لأسماء محدّدة وإقصاء غيرها كما أنّ المواقع الالكترونية النّشطة قليلة وغير كافية لتقديم صورة عمّا كتب ويكتب ,كلّ هذه المعطيات تحيلنا إلى الدوران في فلك محدّد وبروز أعمال واختفاء أعمال واختفاء أعمال أخرى، وإجهاض أفكار وقتل أفكار أخرى،فالنّقد ليس ارتكازاً على  مدوّنة أدبية فحسب،بل إشكالات وأسئلة يضجّ بها عقل المشتغل في مجال النّقد أو المهتمّ به.كما لا أنسى ـ وهو ما أؤكّد عليه دوماً ـ أنّ النّقد الأدبي الجزائري لم يخرج من الوصاية الأكاديمية،وبالتالي هو لم ينطلق إلى أوساط أخرى خارج أسوار الجامعة،فإذا ما التفتنا إلى مكتباتنا الجامعية وخاصة قسم الرسائل والأطروحات الجامعية سنجد الكثير من الانجاز النقدي المتراوح بين الجودة والرداءة وما بينهما من مراتب،وهو أمر طبيعي فالأطروحات في الأصل اشتغل عليها باحث يخطو الخطوات الأولى في مساره الأكاديمي،ثمّ هناك تقديساً معلناً غير خفي للنّقد الغربي ونظرياته وذلك ليس في غياب التفكير النقدي الجزائري بل إقرار بالتبعية العلمية والحضارية للمتفوّق والمتقدّم الذي لا يمكن إنكارها،من جهة أخرى نلاحظ إنكارا حاداً للذات حتّى بات  الأمر سهلا هيناً مكرراً!,لا يمكن إنكار الفجوة الحضارية والتي مؤكد أنّ لها مخلّفاتها على شتّى المجالات والأدب والنقد واحد من تلك المجالات،لكن لبناء فكر نقدي أو واجهة أدبية صلبة يتوجّب الاعتراف بالذّات التي تحفر عميقاً وتكتب وتنقد لتترك أثراً ما أو بصمة مختلفة ، ولا يكفي الاعتراف فقط بل للاعتراف تبعاته وهو الاهتمام بما تنتج تلك الذات وتداوله على نطاق واسع وتوفير الظروف المناسبة للرّفع من قيمة الأفكار التي تطرحها وتقدّمها بدل استقبالها بالإهمال والإنكار ومواصلة ترديد أقوال الآخر تارة معلّبة غير مفهومة وتارة مفهومة جزئياً وتارة أخرى مفهوماً كلياً ويتمّ إسقاطها على نصوص خارج سياق أنتاج تلك النظريات التي يتمّ ترديدها مع هالة القداسة التي لا تسقط عنها بمجرّد العثور عليها في مؤلّفات الآخر/الغربي.

*ما هي قراءتك للنقد الأدبي على مستوى المرأة الجزائرية؟

ـ فاطــمة نصـــــير: المرأة الجزائرية كاتبة أو باحثة ناقدة،هي جزء من الكلّ المكوّن للحراك الأدبي والنقدي، شطر من الجواب على السؤال متضمّن في الجواب السّابق،في غياب الفضاءات يتضرر الأدب والنّقد قبل أن يتضرر الكاتب والناقد، بغضّ النظر عن جنسه.

لكن وما أقوله أنّ المرأة وليست في الجزائر فحسب،بل ربما في الوطن العربي بأكمله تبذل جهداً مضاعفاً كي تقدّم  وتترك لأفكارها مساراً في الساحة الأدبية والنقدية، فرغم المشاركة النسائية على نطاق واسع في مجالات الأدب والنّقد لا زالت هناك فئات لا تثق تمام الثّقة فيما تقدّمه المرأة،لا أعني بذلك رجالا فحسب بل هناك المرأة التي لا تثق في جهد المرأة وفي تفكير المرأة النقدي أو المعرفي،وفي هذا المقام أقولها صراحة أنّ أصعب الطرق التي تشقّها المرأة هي اعتمادها على كفاءاتها في التغلغل في الحراك الأدبي والنقدي وطرح رؤاها وأفكارها.

*ما هي أبرز سمات النّاقد الأدبي النّاجح وهل ثمّة اختلاف بين النّقاد العرب في تقييم المنتج  الأدبي؟ أين نلاحظ ذلك؟

ـ فاطــمة نصـــــير: الذوق  الأدبي وحاسّة تلمّس الجمال وسعة الإطلاع والثقافة وامتلاك أدوات نقدية كلها معطيات يمكن اعتبارها سمات وخصائص من المفترض أن تتوافر في الناّقد، أقول النّاقد فقط وأسحب صفة الناجح،فالنجاح برأيي نسبي لا مطلق والدليل على ذلك كثيرا ما نقرأ مقالات أو كتب لنفس النّاقد ونجدها متفاوتة من حيث الطرح والأفكار والإقناع والتبليغ.الاختلاف في تقييم المنتج الأدبي الواحد لدى النّقاد العرب موجود وهو  ليس مثلبةً، فالنص الأدبي ليس معادلة رياضية تفضي إلى نتيجة واحدة، كما أنّ للنّص الأدبي أبواب ونوافذ كثيرة مشرعة كلّ قارئ وكلّ ناقد يدخل من الباب الذي يناسبه، أقصد يناسب محصوله الثقافي مثلا،أو ايديولوجيته إن كان مؤدلجاً،وقد يدخل من أكثر من باب إن كان متعدّد الثقافات ومؤمناً بالانفتاح النصّي وتعدّدية القراءات وإن تعارضت.

*هل نجحت المرأة والفتاة الجزائرية في طرق أبواب الأدب؟

ـ فاطــمة نصـــــير: كثافة حضور إسم أو مجموعة أسماء من الكتّاب سواء نساءً أو رجالاً، ليس معياراً للنجاح،لا أفضل من استخدام كلمة نجاح في مثل هكذا تقييم تحكمه النسبية، الحضور الحقيقي في الكتابة هو الحضور النوعي وإن قلّ، الحضور الكمّي هو حضور مؤقّت وموسميّ،لا يترك أثراً بليغاً في الرصيد الأدبي للكاتب أو للأدب الجزائري بالمجمل .

بالطبع في الجزائر هناك أسماء نسوية صارت مكرّسة وتتباين الأراء النقدية فيها بين الإنصاف والتحامل وحتّى التهجّم والتجاهل، وهناك أسماء تكتب بشكل مختلف لكنّها لم تجد طريقها للحضور، وهناك العكس حيث تجد كاتبات يكتبن ما هو أقلّ من الضعيف ويدفعنه للطبع ويجدن من يدعم حضورهنّ بطريقة أو بأخرى ، فمعايير الحضور ليس دوماً مرهونة بالجودة والكفاءة،وكذلك الغياب لا يعني الضعف والرداءة.

*برأيك ما هي أهم المشكلات التي تواجه الثقافة العربية والأديب العربي؟وإلى أي حد حقق الأدب العربي وجوده عالميا؟

ـ فاطــمة نصـــــير: أعتقد أكبر المشكلات التي يعانيها الكاتب العربي هي إقصاء الكثير من الكفاءات وانعدام المساندة وقلّة الفضاءات ومشاكل النشر وتبعاته من توزيع وحقوق نشر وووو،وهو ما خلّف لدى القرّاء عدم ثقة في المنتج العربي فتجده يقرأ لأردأ كاتب أجنبي بأردأ ترجمة عربية وفي المقابل يحقٍّر كاتباً عربياً جيداً وكفؤاً بذل جهداً لإخراج منجزه للنور ، ثمّ يطلق حكماً عامّة يفضي إلى رداءة كلّ ما يكتب عربياً !.

يوجد أقلام عربية،وجدت طريقها للعالمية،والعالميّة ليست دوماً مرهونة بجودة المنتج،لأنّ هناك عدّة اعتبارات تساهم في رفع قيمة أعمال أدبية وخفض قيمة أعمال أدبية أخرى.

*ماذا عن الرّوافد التي شكّلت وعيك الإبداعي وصقلت موهبتك الأدبية؟

ـ فاطــمة نصـــــير: الكتب التي كنت أقرأ في وقت مقتطع من أوقات المذاكرة ومراجعة الدروس المدرسية، الكتب التي كنت أستعيرها من مكتبة المدرسة المتوسطة والمدرسة الثانوية انجذاباً لعناوينها آخذها،كتب في الشعر والقصة والرواية والمقالات التي كنت أفهم شيئاً منها وشيئاً لا أفهمه لكنّي كنت أحتكم إلى انجذابي واستمتاعي بما أقرأ لأواصل القراءة وتقليب صفحات كتاب ما بين يدي .واصل كثير من الكتب أتذكر مؤلفيها وأخر لا أذكر مؤلفيها،كنت ألجأ للاستعارة من المكتبة المدرسية نظراً لشحّ الكتب في المكتبات العامّة التي تقتصر على بيع الكتب المدرسية.يستعير التلاميذ ـ غالباً ـ  من المكتبات المدرسية كتب حل التمرينات والتطبيقات،وألجأ أنا لاستعارة كتب أدبية  وثقافة عامّة وذلك ميلاً لها،وبالنسبة لي قراءة تلك الكتب  كانت أفضل بكثير من القيام بعمل إلزامي،كحل التمرينات والواجبات المنزلية التي أقوم بها مجبرةً لا مخيّرة

كان ذلك في مرحلة المدرسة،وقراءات عشوائية لا واعية، لكن لها أثرها العميق في تكويني الأدبي، بعد التحاقي بكلية الآداب وجدت نفسي في المجال الذي أحب،فما أطالعه هو مجال تكويني ودراستي، وإن كانت بعض المواد التي أدرسها ضمن الأدب  لا أستسيغها، لكن يكفي أنني في كلية الآداب وأدرس الأدب وأقرأ الكتب الأدبية قديمها وحديثها،أقتني وأستعير وأسأل أساتذتي عن ما أُشكل عليا.هذا في مرحلة الليسانس،بعد مرحلة الليسانس،كانت مرحلة الماجستير والدكتوراه وهي مرحلة مهمّة جداً في تكويني وصقل وعيي،تكبّدت فيها أتعاباً كثيرة قرأت فيها عدّة كتب في مجال تخصصي وما جاوره وكذلك اطلعت على دواوين لشعراء كثر وروايات وقصص، بعضها بشكل حر،وبعضها كان لدواعي بحثية، لكنها في المحصّلة كانت جزءاً مهماً صاغ تفكيري الأدبي ودعم تكويني النقدي .

*ما هو جديدك للفترة القادمة؟

ـ فاطــمة نصـــــير: ثمّة مخطوطات في طريقها للنور،إن تيسّرت الأمور.

 

                                                                              حاورها: عزيز البزوني/ العراق

عن sadok

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: