سكان تلمسان يشتاقون لخبز الفران

تشتهر منطقة تلمسان بطقوس وعادات تجعلها مميزة في الغرب الجزائري غير أن البعض من العائلات تخلت عن هذه التقاليد التي ظلت راسخة لعقود من الزمن بعد أن هبت عليها رياح العصرنة ولم تذر منها إلا الشيء القليل ومنها الفرن التقليدي أو ما يعرف بطهي الخبز عند الفران.

كانت قديما مهام الأسرة التلمسانية مقسمة بين أفراد العائلة في تحضير الخبز، حيث تبدأ النسوة كل صباح باكر بعجن الخبز وتحضيره قبل وضعه في مكان دافئ، بعدها يأتي دور الأطفال لنقل صينية الخبز إلى الفران الذي يستعمل فرن تقليدي قاعدته من الأحجار أو الفحم وهناك من يسميه بالفرن الروماني.

ويوجد بوسط الأحياء القديمة لتلمسان فرن عمي بومدين البالغ من العمر  65 سنة والذي لا يزال يستعيد ذكريات زمان و يسمي العائلات التي كانت تتداول على محله لطهي الخبز، معتبرا أن هذه الحرفة “لا يمكن لها الزوال بشكل نهائي لأن الأسر الجزائرية بصفة عامة تحتاج لوجود الخبز داخل منازلها و أن الناس لن تتخلى على خبز الدار لأنه مناسب للجيب و للصحة، كما أن الخبز الذي تبيعه المخابز لا يتم طهيه جيدا، ففرن الغاز و الكهرباء لا تمنح الخبز اللذة التي يوفرها الحطب الطبيعي و الطهي المتمهل فوق السطح الطيني للفرن التقليدي “.

وأضاف يقول “الحطب كنا نجمعه سابقا بأنفسنا والآن نعتمد على أصحاب المزارع لجلبه لنا إلى المحلات لغاية ان صرنا نشتريه ونجد صعوبة في اقتنائه”.

ويشرف الفران أو الطراح” كذلك على عملية طهي حلويات العيد ومختلف المناسبات ويكتظ محله في هذه الأوقات مما كان يضفي نكهة خاصة على أجواء العيد تقوم من خلالها الأسر بتبادل أنواع الحلويات داخل الفران.

والكل يعرف خبزه نظرا للرشم الذي تضعه ربة البيت فوقه أو صينية الحلوى الخاصة به أو المنديل الذي يغطي الصينية.

كما كانت العائلات التلمسانية قديما تسارع إلى طهي أطباق اللحوم خلال مناسباتها العائلية وكذلك بالنسبة للأصدقاء الذين يريدون قضاء عطلهم الأسبوعية مع بعضهم البعض حيث يكون الاشتراك بينهم في شراء السمك أو اللحم ويشرف الطراح على باقي عملية الطهي وفي النهاية له نصيبه من الطبق المطهي يقول عمي بومدين.

يتشوق العديد من سكان تلمسان للزمن الماضي الذي كان يكثر فيه الطهي لدى الفران على غرار السيدة زبيدة (55 سنة) التي صادفناها بدرب سيدي أولاد إمام و سألناها عن الفران الذي لا يبعد عن منزلها بكثير فابتسمت و قالت “هذا كان زمان ، أنا شخصيا كنت اخذ صينية الخبز للفران في صغري مع أبناء الحي و اليوم كل شيء تغير بسبب عصر السرعة و التطور الذي نعيشه، زيادة على ذلك لم نعد نشعر بمرور الوقت فصرنا نشتري كل شيء حتى الخبز و الحلويات التي نملك سر تحضيرها في المنازل غير أن هذه الأفران العصرية تبيع لنا المجهول لا ندري ما نشتريه بل  صرنا نستهلك فقط”.

وتأسفت المرأة على زوال العادات التلمسانية القديمة كطهي الخبز عند الفران قائلة “أن الفران يشكل قطرة من بحر نظرا لزوال الأصالة واستبدالها بالمعاصرة خاصة بالنسبة لعادات الاستهلاك الجديدة التي تظهر سلبياتها من خلال الأمراض المنتشرة والتي نجهل مصدرها الرئيسي”.

أما الآنسة نسيمة (23 سنة) فتقول “أنا لم أذق يوما طعم الخبز المطهي لدى الفران لأني ولدت في التسعينيات ومع التطور الذي نعيشه نشتري الخبز يوميا خاصة وأن والدتي تعمل فهذا لا يسمح لها بإعداد الخبز حتى في المنزل”.

“الطراح” مهنة في طريق الزوال

كانت مهام الطراح أو الفران في القديم تكمن في إعداد الفرن وإشعاله لساعات في الصباح الباكر وذلك حسب نوعية الفرن يليها استقبال صينيات الخبز لمختلف الأسر ويقوم بعدها بواسطة وصلات خشبية طويلة بدفع الخبز داخل الفرن وهو على دراية تامة بالوقت الذي يلزمه للانتهاء من طهيها متحملا بذلك مشقة العمل وحرارة الفرن، وبتكرار العملية يصبح الطراح متمرسا في هذه المهنة.

وكان يقصد الطراح كل أصحاب الحي بدون استثناء وكان الطراح على دراية بالحالة الاجتماعية والاقتصادية لكل عائلة من خلال ما ترسله في صينياتها من أنواع الخبز والحلويات ويقدم خدماته مقابل ثمن زهيد.

غير أن اليوم أصبح الطراحون بتلمسان يعدون على الأصابع بعد أن تقلص عدد الأفران من 34 فرنا إلى 3 فقط واحد منها بدرب “الحجامين”، والثاني بحي “الصور” وأخر بدرب “سيدي أولاد إمام”.

والإقبال عليها ضئيل جدا كما أكد لنا عمي محمد (71 سنة) طراح قديم بدرب أولاد إمام له 50 سنة من الخبرة في مجال طهي الخبز.

وأبرز أن الفران اختفى بتلمسان بسبب وفاة الكثير من أصحاب المحلات الذين كانوا يشرفون شخصيا على عملية طهي الخبز وعدم وجود الاستمرارية بعدهم من طرف الخلف، مما جعل هذه الحرفة في اندثار.

وأضاف أن أصحاب الحي أضحوا لا يقصدون الفران في الآونة الأخيرة بسبب وفاة كبار الحي من النساء اللواتي كن يحضرن عجينة “المطلوع” وأصبحت النساء حاليا عاملات وهو الوضع الذي يجعل الاغلبية يشترين الخبز الجاهز.

ومن جهة أخرى يشترى الطراح حاليا الحطب بأثمان باهظة مقارنة مع الدخل الذي يحققه من هذا النشاط، فيصل مبلغ الحطب إلى 20 ألف دينار جزائري في الشهر، لكن رغم ذلك يضيف عمي محمد فأنه دائما يستيقظ باكرا ويتوجه إلى محله ليكرر عملية إشعاله للفرن بواسطة الحطب وينتظر زبائنه.

واستطرد قائلا “في هذه الحرفة حلاوة ودفيء كدفء الفرن” مشيرا إلى انه رغم كبر سنه لا يستطيع الاستغناء عن محله الواقع بدرب عتيق بتلمسان تروي جدرانه الصامتة ذكريات التلمسانيين الذين اندثرت معهم العادات والتقاليد ورائحة الخبز التي كانت تغمر المكان.

عائشة نصرات

عن ahmed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: