صيغة إسلامية لحضارة إغريقية

ساد في المجتمع الجزائري ثقافة زيارة أضرحة أولياء الله الصالحين لتبرك والاستنجاد بها في فترة الاستعمار الفرنسي، وكانت نتيجة لما قام به من سياسة تجهيل الأهالي بتخريب المساجد وتحويلها إلى كنائس، وغلق الزوايا القرآنية مما أدى إلى انتشار ظاهرة التبرك والتضرع بها انتشارا كبيرا على مختلف المستويات الثقافية للجزائريين، ولازالت لحد الآن تمارس هاته الطقوس التي تشبه عبادة آلهة الإغريق.

حازت زيارة الأضرحة في شمال إفريقيا، والجزائر بالذات، تبجيل الناس وتسليمهم بها ربما أكثر ممَّا نالها في بقاع أكثر جهلا وأمية كدولة مالي مثلا ونيجيريا وتشاد …. التي يدين اغلب مجتمعاتها بالإسلام، ولشيوعها وانتشارها تحولت لسلوك عادي. فرغم الفتوحات الإسلامية وتاريخها الذي يمتد للقرون الوسطي وتجذر الإسلام بيننا، إلا أنه لم يشفع لنا هذا المكسب في دحر هاته العادة، فمن منظور المقارنة العادلة يمكن أن نقول عنها أنها الصيغة الإسلامية للحضارة الإغريقية الموغلة في التأثير على المجتمع الجزائري، الذي يفتح شهية الباحثين إلى فهم ما هو أعمق في الطبيعة الإيمانية للشعب الجزائري.

فلو اتجهنا غرب الجزائر نجد الولي الصالح عبد القادر الجيلاني، أو الكيلاني، صاحب الطريقة الصوفية القادرية (470 – 561 هجري)، اختلفوا حول مكان ولادته، لكن أهم الروايات تقول بوقوعها في جيلان شمالي إيران، أو في جيلان العراق، وهي قرية صغيرة قرب بغداد.

فهو معروف عند أهل المغرب ببوعلام الجيلاني أو سلطان الأولياء، الذي يقصده بعض الناس قليلي الإيمان ليتوسط لهم عند الله فتُشفى أسقامهم وتُقضى حوائجهم لدرجة انه تغنَّى بعبد القادر الجيلاني كثير من أهل الغناء، على غرار الشاب خالد في أغنية «يا أهل النوبة»  ..   «مولاي عبد القادر»  .. «يا أولياء الله»

«يا جيلالي .. وكذالك «عبد القادر يا بوعلام ضاق الحال عليا» رفقة المغنيين الشاب فضيل ورشيد طه، هنا يكاد الله عز وجل في علاه وسما عن كل ذكر ووصف ينعدم في نداءات المتضرعين، فالمطَّلع على الأساطير الإغريقية يجد كثير من أوجه الشبه عند عبدت آلهة الإغريق وبين ما يمارس من طقوس في أضرحة أولياء الله الصالحين في الجزائر.

                                                                                        الآلهة وتصنيف كرامات الأولياء

الإله “زيوس” المتحكم في السماء والأرض والشجر، يلقَّب بملك الآلهة أو أبو الآلهة عند الإغريق .. يقابله عبد القادر الجيلاني سلطان الأولياء عند الجزائريين

صاحب الوسيلة والسر الرَّباني، قيل إنه التقى الولي الصالح «بومدين شعيب” وتحداه في تحريك شجرة، فدعا عبد القادر ربه أن يحرك الشجرة فتحركت شبرًا، أما بومدين شعيب فكان ذكيًّا وهمس في قلبه: باسم الله وباسم عبد القادر مولاي تحركي، فتحركت أمتارًا حتى ظنها الرائي تجري بجذورها.

أثينا اليونانية عند الإغريق …… والحاجة ” مغنية ” الجزائرية …. آلهة القوة.

لم يقتصر عالم الأولياء على الرجال، فكان للنساء حضور في تاريخ الأولياء الصالحين، مثل الولية الحاجة لآلة مغنية التي تسمى عليها مدينة مغنية.

وهي من الأشراف عُرفت بزهدها وقوتها وتحملها للسفر والصعاب، وتعلمت القتال، وقيل إن ابنها قاتَل مع الأمير عبد القادر، وحفيدها كان مجاهدًا مع القائد المغربي عبد الكريم الخطَّابي..

الحاجة لآلة مُغنية، التي زعموا أنها ابنة عبد القادر الجيلاني، تقابلها أثينا ابنة زيوس اليونانية، حامية المدينة وإلهة الحرب والقوة.

الحاجة السَّاسلية بالجزائر……تقابلها الإلهة أرتميس اليونانية.

أرتميس إلهة الإنجاب والعذرية والخصوبة وحامية الأطفال، وكانت تسمى سيدة البراري وأم الحيوانات، تقابلها الحاجة السَّاسلية، التي اشتهرت بضريحها المهجور قرب مدينة الوادي في الجزائر يُحكى، أن الحاجة السَّاسلية خرجت وهي شابة في العشرين ولم يجدوا لها أثرًا بعد ذلك، ورجَّح الناس أنها اختُطفت من قِبل معشر الجن، وتزورها النسوة الآن من أجل تزويج بناتهن المتقدمات في السن كما يتبركن بجدار قبتها وبكتابة عبارات وقلوب واسهم وأسماء يقصد بها قضاء الحوائج.

لالَّة ستِّي الشريفة الجزائرية …. تقابلها أفروديت اليونانية   إلهة الحب والجمال

اقترن الجمال بأفروديت في اليونان ولالَّة ستِّي في تلمسان غربي الجزائر. أفروديت إلهة الجمال والحب التي انبثقت من صَدَفة بحرية في جزيرة قبرص، تقابلها لالَّة ستِّي (الشريفة) التي اشتهرت بحسنها وجمالها تتغنَّج بعرشها في الهضبة المرتفعة، يفد إليها الناس حبًّا وحنينًا لا طلبًا للحاجة والغوث فمقام لالَّة ستِّي أصبح مع الوقت فضاءً سياحيًّا وبرجًا يطل على مدينة تلمسان، وكان قبل الميلاد كما يزعم بعض أهالي تلمسان مسرحًا شاهدًا على لقاء النبي موسى مع الخضر، حيث أقام بها الجدار المعروف.

سيدي العامري…… يقابله   آريس الإله الإغريقي في إخماد الفتن

الإله اليوناني آريس، الذي لم يكن بارعًا في القتال لكنه خَبير في فنون الحرب، يقابله سيدي العامري الذي اشتهر بإخماد الفتن والحروب ويتناقل كبار السن من سكان تلمسان أن المقبرة التي تحمل اسم سيدي العامري في مدينتهم كانت ثكنة عسكرية للجنود الفرنسيين، الذين لم يفلحوا في إطلاق قذيفة منها باتجاه القرى الصغيرة المتناثرة في الجبل، وأخمد العامري مدافعهم وقذائفهم، فلم تشهد تلك القرى أي معارك طيلة الفترة الاستعمارية.

حكمة أبولو اليوناني…… يقابلها دهاء سيدي بومدين شعيب الأنصاري.

أبولو إله الحكمة والشفاء والفلسفة يقابله بومدين شعيب، أو بومدين المغيث كما هو معروف عند مريديه ويزور ضريح بومدين شعيب يوميًّا عشرات من أهالي مدينة تلمسان وغالبًا ما تكون زيارته يوم السبت، ويطرق الزوار الباب سبع مرات، ويدخلون حفاة الأقدام ليشعلوا الشموع ويترجون ضريح الولي الصالح بومدين خائبين ” قائلين :” يا سيدي، جئنا ليك من بعيد فلا ترجعنا ولا زال قليلو الإيمان بالولي بومدين  صغيرًا كان أو كبيرًا يدندنون بعفوية: «سيدي بومدين جيتك قاصد، أجيني في المنام نبرا»  أي: جئتك قاصدًا، ائتني في المنام أُشفَ من مرضي.

هكذا كان المشهد الاجتماعي  علي ارض الواقع المعاش للأسف  فما زاد الطينة بلة هو الجهل المتفشي  وعدم التوعية وغياب الندوات والحصص الهادفة والإرشادات الإسلامية  الصحيحة ، فقد أصبحت أضرحة أولياء الله الصالحين آلهة حديثة عند ضعاف القلوب والنفوس الانهزامية التي يئست من المجتمع وتقلبات ظروفه الاجتماعية والاقتصادية مسلطين علي أنفسهم عقوبات نفسية وجسدية  في ظل غياب الوازع الديني  وتقصير أئمة المساجد والمصلحين وأهل الفتوى الذين زاحو عن رسالتهم لإصلاح المجتمع  وتخليصه من دعاه الانحراف والفتن ودحر براثن الجهل والتخلف راكضين وراء وسائل الإعلام لتقرب والتقارب مع الساسة وصناع القرار طمعا في الشهرة والثروة.

سعودي عامر

عن ahmed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: